المعركة مع النفس

د محمد فرحات يكتب

بعدما ينتصف بالإنسان طريق عمره، يكتشف أن أغلب معاركه لم تكن مع الوجود حوله، بل في الواقع كانت معركته مع نفسه!!
فأعباء المرء في مساره تتلخص في أمرين:
التقييم الزائد (overqualification)..
والتوقع الزائد (over expectation).
فكل فرد منا له تقييم ما لنفسه، وبناء على هذا التقييم تتشكل توقعاته لكل من حوله.. وكلما كان التقييم الذاتي مرتفعاً كانت التوقعات مرتفعة بدورها..
وكانت الصدمات أكبر!!
فالحقيقة التي تتبدى للإنسان في أعلى مراحل نضجه: أنه ليس بهذا القدر الذي وضع نفسه فيه، ويرى نفسه عليه… وأن معاملة من حوله له هي حقيقة منزلته، وهي ثمنه الحقيقي في سوق الواقع، بعيداً عن فضاء المأمول!!
وكيف يتعامل الإنسان مع هذه الصدمة المزلزلة؟
في الواقع تتباين ردود الأفعال: ولكن أغلب الناس يغرقون أنفسهم في دوامة الإنكار، ويلجأون في الغالب إلى توزيع التهم على الناس والدنيا والظروف… إلخ.
فتظل (الأنا) على ما هي عليه، ويتم حل تلك الأزمة الوجودية بطريقة (نظرية المؤامرة) … فأنا = لا غبار علي، والعيب في الأوغاد الذين لا يقدرونني حق قدري… أنا لا مشكلة لدي، إلا أنني لم أحظ بالفرصة التي سنحت لغيري…
ستسمع هذا الخطاب من ذاك المثقف القابع على تلك (القهوة) المتواضعة في (وسط البلد) وهو يجأر ليل نهار بالمظلومية من الناس ومن البلد التي لم تقدره حق قدره، فلم يصر من كبار الكتاب والأدباء… ستسمعه من ذاك اللاعب الذي احترف في فريق (كفر أبو طشت) في دوري الدرجة العاشرة، وهو يقسم لك أن مهارته لا تختلف أبداً عن ذاك النجم في ملاعب أوروبا…
ويظل ذاك الإنسان غارقاً في مظلوميته، غارقاً في إحباطه حتى تغرب شمسه وهو على ذاك الحال من اليأس ومن السخط…
لهذا يا صديقي أنا أكتب لك وأنا هناك جالس على جانب منتصف الطريق…
عندما تصل يا صديقي إلى هذا المكان فكف عن الإغراق في أوهامك… وكف عن إلقاء اللوم على من حولك وعلى ما حولك… كف عن استنزاف نفسك في صراعات لا طائل من ورائها… واخرج من مستنقع الإنكار العبثي، وانفض عن نفسك غبار كبريائها….
لا أحد يظلمك… في الغالب أنت = هو ما وصلت إليه..
طالما أنك فعلت ما عليك… فاستمتع بنفسك على ما هي عليه..
واترك ذاك النزال العبثي الذي لا يزيدك إلا ألماً، وخساراً..
وتذكر أن هناك ميداناً أهم.. ومعركة أكبر، قد تركتها، وانصرفت عن نزالها، على ما فيها من أهمية لك… بل هي حقيقة وجودك..
معركتك يا صديقي ليست مع البشر..
معركتك هي في منافسة البشر.. في محراب عبودية رب البشر…
هل سمعت قط عن أحد قاتل فيها وخسر!!

اترك تعليقا