المحكمة العليا الأمريكية تحد من صلاحيات ترامب
حكم تاريخي يعيد رسم حدود السلطة التنفيذية
- محمود الشاذلي
- 22 فبراير، 2026
- تقارير
- البيت الأبيض, المحكمة العليا الأمريكية, الولايات المتحدة, دونالد ترامب, فرض الرسوم الجمركية
في تطور قضائي بارز يعيد الجدل حول حدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمًا اعتبره مراقبون نقطة تحول في العلاقة بين البيت الأبيض والقضاء، بعدما قضت بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاوز صلاحياته القانونية عند فرضه رسومًا جمركية شاملة على معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.
الحكم، الذي صدر بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، أكد أن استخدام قانون السلطات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لعام 1977 لا يمنح الرئيس سلطة فرض رسوم جمركية عامة، وهو ما اعتبره خبراء القانون الدستوري إعادة تثبيت واضحة لمبدأ الفصل بين السلطات.
حكم المحكمة العليا الأمريكية بشأن الرسوم الجمركية
جاء القرار بعد طعون قانونية واسعة ضد الإجراءات التي اتخذها ترامب في ولايته الرئاسية الثانية، والتي شملت فرض رسوم جمركية على نطاق واسع بدعوى حماية الأمن القومي والاقتصاد الأميركي.
وصاغ الحكم رئيس المحكمة العليا، القاضي المحافظ جون روبرتس، مؤكدًا في نص القرار أن الصلاحيات الممنوحة للرئيس في إطار قانون الطوارئ الاقتصادية لا تتضمن سلطة فرض رسوم جمركية. وكتب روبرتس بعبارات واضحة: “مهمتنا اليوم هي أن نقرر فقط ما إذا كانت سلطات تنظيم الاستيراد تشمل سلطة فرض رسوم جمركية. الإجابة هي لا”.
ويعني ذلك أن المحكمة رأت أن ترامب فسّر القانون بشكل موسّع يتجاوز النص التشريعي، وأن أي سلطة تتعلق بفرض تعريفات جمركية عامة يجب أن تستند إلى تفويض صريح من الكونغرس.
ما هو قانون الطوارئ الاقتصادية لعام 1977؟
القانون الذي استند إليه ترامب، المعروف باسم “قانون السلطات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية”، يمنح الرئيس صلاحيات واسعة للتعامل مع تهديدات خارجية تؤثر على الاقتصاد أو الأمن القومي الأميركي. إلا أن المحكمة شددت على أن هذه الصلاحيات لا يمكن توسيعها لتشمل فرض رسوم جمركية شاملة من دون نص واضح.
خبراء قانونيون اعتبروا أن الحكم يرسخ مبدأ أساسيًا في النظام الأميركي، وهو أن السلطة التنفيذية لا يمكنها “ابتكار صلاحيات جديدة من قوانين قديمة”، كما قال عدد من الأكاديميين المتخصصين في القانون الدستوري.
هل يمثل الحكم تراجعًا عن دعم سابق لترامب؟
القرار يكتسب أهمية خاصة في ظل سجل حديث أظهرت فيه المحكمة العليا ميلاً لدعم إدارة ترامب في قضايا متعددة. فخلال عام 2025، انحازت المحكمة في عدد كبير من القضايا الطارئة إلى طلبات الإدارة لرفع قرارات محاكم أدنى درجة كانت تعرقل سياساته، بما في ذلك ملفات تتعلق بالهجرة والخدمة العسكرية والتوظيف الاتحادي.
كما أن المحكمة نفسها، وفي عام 2024، أصدرت حكمًا تاريخيًا وسّع نطاق الحصانة الرئاسية في قضايا تتعلق بأفعال رسمية للرئيس، وهو القرار الذي أثار جدلاً واسعًا حول استقلالية المحكمة واستعدادها لمواجهة السلطة التنفيذية.
لكن حكم الرسوم الجمركية الأخير أعاد التوازن إلى المشهد، وأكد – بحسب مراقبين – أن المحكمة لا توفر “غطاءً قانونيًا تلقائيًا” لكل سياسات البيت الأبيض، حتى لو كان الرئيس من نفس التوجه الأيديولوجي لغالبية القضاة.
رد فعل ترامب
لم يتأخر رد الرئيس ترامب، إذ وجّه انتقادات لاذعة للمحكمة العليا، واعتبر أن القرار “غير وطني”، بل ذهب إلى حد التشكيك في دوافع بعض القضاة. وانتقد بشكل خاص قضاة محافظين عُيّنوا خلال إدارات جمهورية، بينهم من عيّنه بنفسه.
هذا التصعيد يعكس توترًا متزايدًا بين البيت الأبيض والسلطة القضائية، خاصة مع استمرار المعارك القانونية حول سياسات أخرى مثيرة للجدل، من بينها توجيهات تتعلق بتقييد حق المواطنة بالولادة في الولايات المتحدة.
تداعيات القرار
من الناحية الاقتصادية، يفتح الحكم الباب أمام تساؤلات حول مصير الرسوم التي فُرضت سابقًا، وما إذا كانت الشركات المتضررة ستحصل على تعويضات أو استرداد مبالغ. كما يضع القرار قيودًا واضحة على أي إدارة مستقبلية تحاول استخدام قوانين الطوارئ لتوسيع صلاحياتها التجارية دون الرجوع إلى الكونغرس.
ويرى محللون أن الحكم قد يدفع الإدارة الأميركية إلى السعي لتشريعات جديدة تمنح الرئيس سلطات أوسع في إدارة السياسة التجارية، بدل الاعتماد على تفسير موسّع لقوانين قديمة.
إعادة تأكيد للمبدأ الدستوري
يمثل هذا الحكم اختبارًا مهمًا لاستقلالية المحكمة العليا الأمريكية في مواجهة سلطة تنفيذية قوية. فالقرار يؤكد أن المحكمة تحتفظ بدورها الرقابي، حتى في ظل أجواء سياسية مشحونة واستقطاب حاد.
ويرى مراقبون أن أهمية الحكم لا تكمن فقط في ملف الرسوم الجمركية، بل في الرسالة الأوسع التي يبعثها: أن حدود السلطة الرئاسية لا تُرسم في البيت الأبيض وحده، بل تخضع لتفسير قضائي صارم عندما يتعلق الأمر بالنصوص القانونية الصريحة.
حكم المحكمة العليا ضد ترامب في قضية الرسوم الجمركية يُعد محطة مفصلية في مسار العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية في الولايات المتحدة. فبينما أظهرت المحكمة في فترات سابقة مرونة تجاه بعض سياسات الإدارة، جاء هذا القرار ليؤكد أن التوسع في استخدام الصلاحيات الاستثنائية له حدود دستورية واضحة.
ومع استمرار القضايا المعروضة أمام القضاء بشأن سياسات أخرى للرئيس، من المرجح أن تبقى المحكمة العليا في قلب المشهد السياسي الأميركي خلال المرحلة المقبلة، في اختبار متجدد لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يقوم عليه النظام الدستوري في الولايات المتحدة.
