الكويت تتقدم في سوق المشاريع الخليجي

تمتلك الكويت قاعدة نفطية كبيرة وتسعى لتنوع الاقتصاد

الرائد- تواصل الكويت توسيع حضورها في سوق المشاريع الخليجية، بعدما أظهرت بيانات حديثة أن قيمة المشروعات القائمة والمخططة في البلاد بلغت نحو 241 مليار دولار، لتصبح ثالث أسرع أسواق دول مجلس التعاون نمواً، في مؤشر يعكس اتساع الإنفاق الاستثماري وتزايد المشاريع في قطاعات البنية التحتية والطاقة والعمران.

وأفادت بيانات حديثة نشرتها صحيفة «الأنباء» الكويتية اليوم 27 أغسطس 2026 بأن السوق الخليجية للمشروعات وصلت إلى نحو 5.09 تريليونات دولار، فيما ارتفعت حصة الكويت إلى أكثر من 5.4% من إجمالي السوق، بعد إضافة نحو 3 مليارات دولار إلى قيمة المشروعات خلال شهر واحد.

تمتلك الكويت قاعدة نفطية كبيرة

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة للكويت، التي تسعى منذ سنوات إلى تنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.

فزيادة حجم المشاريع يمكن أن توفر قناة لتحويل الموارد المالية إلى بنية تحتية ومرافق وخدمات وقطاعات إنتاجية، لكن الأثر الاقتصادي الفعلي سيعتمد على نوعية هذه المشاريع وليس على قيمتها الاسمية فقط.

وتواجه الكويت تحدياً يتمثل في تحويل الإنفاق الاستثماري إلى نمو مستدام يقوده القطاع الخاص. فالمشروعات الحكومية الكبيرة تستطيع تنشيط شركات المقاولات والخدمات، لكنها لا تكفي وحدها لبناء اقتصاد متنوع إذا لم تؤد إلى نشوء شركات محلية قادرة على التوسع والتصدير والمنافسة.

كما أن ارتفاع قيمة المشاريع يفرض على الحكومة أهمية ضبط التكاليف والجدول الزمني والتنفيذ. فالمشروعات المتأخرة أو التي تتجاوز موازناتها قد تستهلك جزءاً كبيراً من الموارد من دون تحقيق العائد الاقتصادي المتوقع.

وتبرز الطاقة في مقدمة القطاعات التي يمكن أن تستفيد من الاستثمارات، خصوصاً أن الكويت تمتلك قاعدة نفطية كبيرة وتحتاج في الوقت نفسه إلى تحديث منشآتها ورفع كفاءة إنتاج الطاقة ومعالجة التحديات المرتبطة بالاستهلاك المحلي.

لكن استمرار الاعتماد على النفط يجعل تنويع المشاريع ضرورة وليس خياراً. فأسعار النفط وإيراداته تظل عاملاً رئيسياً في قدرة الدولة على تمويل الإنفاق، بينما تحتاج القطاعات غير النفطية إلى وقت حتى تتحول إلى مصادر مستقرة للنمو والإيرادات.

وتشير بيانات صندوق النقد العربي المنشورة اليوم إلى استمرار متابعة تطورات أسواق المال العربية وأداء الاقتصادات العربية، في وقت تتباين فيه أوضاع الأسواق الخليجية تبعاً للسياسات المالية والاستثمارية والظروف الاقتصادية العالمية.

ومن هنا فإن ارتفاع سوق المشاريع الكويتية يمكن أن يكون فرصة لتعزيز الاقتصاد غير النفطي إذا ارتبط بإصلاحات أوسع تشمل تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل تأسيس الشركات، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وتطوير التعليم والتدريب.

البعد الاجتماعي في المشاريع الكبرى

كما أن المشاريع الكبرى تحتاج إلى أن تراعي البعد الاجتماعي. فالإنفاق على البنية التحتية يجب أن ينعكس في تحسين النقل والإسكان والخدمات وجودة الحياة، وليس فقط في زيادة قيمة العقود الحكومية.

ويحتاج الاقتصاد الكويتي كذلك إلى معالجة العلاقة بين الإنفاق العام وسوق العمل. فزيادة المشاريع يمكن أن تخلق وظائف، لكن استمرار اعتماد القطاع الخاص على العمالة الوافدة مع ضعف مشاركة المواطنين في بعض الأنشطة يظل تحدياً يتطلب سياسات تدريب وحوافز أكثر دقة.

وتبرز أيضاً أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة. فإذا بقيت العقود الكبرى محصورة في الشركات العملاقة، فإن أثرها على الاقتصاد المحلي سيكون أقل من الممكن. أما توزيع جزء من سلاسل التوريد والخدمات على الشركات الصغيرة، فيمكن أن يخلق قاعدة أوسع من المستفيدين من الاستثمار.

وتشير تجربة دول الخليج إلى أن المنافسة على جذب رأس المال أصبحت إقليمية. فالسعودية والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عمان تعمل جميعها على تطوير مشروعات ضخمة لجذب المستثمرين، ما يجعل جودة البيئة التنظيمية وسرعة التنفيذ وكفاءة الخدمات عوامل حاسمة إلى جانب حجم الإنفاق.

وبالنسبة للكويت، فإن ارتفاع قيمة المشاريع يمنحها فرصة لتعزيز موقعها في هذه المنافسة، لكنه يضع في الوقت نفسه مسؤولية أكبر على الإدارة العامة لضمان أن تتحول الأموال المخصصة للمشروعات إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

فالنجاح لن يقاس فقط بوصول السوق إلى 241 مليار دولار، وإنما بعدد المشروعات التي اكتملت في موعدها، وحجم الوظائف التي خلقتها، ونسبة مشاركة الشركات الكويتية فيها، ومدى مساهمتها في رفع الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل.

وتدخل الكويت بذلك مرحلة استثمارية مهمة، لكن التحدي الأساسي يبقى في الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق العام إلى اقتصاد يستطيع القطاع الخاص فيه قيادة جزء أكبر من النمو. وإذا نجحت الدولة في ربط مشروعاتها الكبرى بهذا التحول، فقد يصبح توسع سوق المشاريع نقطة انطلاق لتنويع اقتصادي أعمق، لا مجرد زيادة في حجم الإنفاق.

*المصادر:
-صحيفة «الأنباء» الكويتية، بيانات سوق المشاريع الخليجية وقيمة المشاريع في الكويت، 27 أغسطس 2026.
-صندوق النقد العربي، النشرة الشهرية لأسواق المال العربية، 27 أغسطس 2026.

اترك تعليقا