الكون ليس مؤتمرًا صحفيًا!!
د. ممدوح المنير يكتب
- dr-naga
- 17 يناير، 2026
- رأي وتحليلات
- الكون, د. ممدوح المنير
نحن نعيش في زمن:
♦ كل من امتلك منبرًا أو كاميرا صار “خبيرًا”
♦ كل من عقد مؤتمرًا أو أصدر بيانًا صار مرجعًا
♦ كل من صرخ أكثر ظنّ أنه يملك الحقيقة
فكأن الوجود نفسه يُدار اليوم:
♦ بالتصريحات
♦ بالعناوين
♦ بالمؤتمرات
♦ بالخبراء الذين “يتحدثون بثقة” دون شهود
فالكون لم يُخلق بالتصريحات، ولا يُفهم بالمؤتمرات،
ولا بعقولٍ تتكلم كثيرًا… وتعرف قليلًا.
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمۡ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ
وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدٗا﴾
يا صاحبي…
هذه الآية ليست جوابًا عن سؤالٍ علمي،
بل صفعة وعي لكل من ظنّ أن الحقيقة تُدار من غرف مغلقة،
أو أن الوجود يُفهم بلا وحي،
أو أن الإنسان قادر على تفسير نفسه بنفسه.
“ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض”
الله يُسقِط أول الوهم:
لم يكن أحدٌ حاضرًا ساعة الخلق،
ولا شاهدًا على بداية الكون،
ولا مشاركًا في هندسة الوجود.
لماذا كان النفي بما وليس لم؟
“ما أشهدتهم” وليس “لم أشهدهم”…
“ما” تنفي الحدث مطلقاً في كل الأزمان،
بينما “لم” تنفي الماضي فقط.
فـ”ما أشهدتهم” معناه: لم أُشهدهم في الماضي،
ولا في الحاضر، ولن أُشهدهم في المستقبل!
نفي مطلق شامل قاطع!
فكيف يجرؤ بشرٌ — مهما لبس من ألقاب —
أن يتكلم في أصل الوجود بغير علمٍ من الله؟
وكيف يُصدّق الناس من لم يشهد البداية،
ثم يجعلونه مرجعًا في النهاية؟
الله لم يُشهد أحداً خلق السماوات والأرض…
لا ملَكاً، لا جناً، لا إنساً، لا أحد!
تخيّل كم المليارات التي صُرفت
والنظريات التي كُتبت
والوهم الذي سُوِّق ويسوّق
للبحث عن حقيقة، لا يعلمها إلا الله.
“ولا خلق أنفسهم”
وهنا الطعنة الأعمق…
حتى أنفسهم التي يعيشون بها، التي يتحركون بها،
التي يفكرون بها… لم يُشهدوا خلقها!
لم يشهدوا حتى خلق أنفسهم!
لم يعرف الإنسان متى نُفخ فيه الروح،
ولا كيف تشكّلت فطرته،
ولا لماذا وُلد قلبه محتاجًا إلى معنى.
فكيف لمن جهل نفسه،
أن يقود الإنسانية؟
وكيف لمن لم يفهم روحه،
أن يشرّع لحياة الناس؟
هذا هو أصل الضلال المعاصر:
إنسانٌ يفسّر الكون…وهو لا يفهم قلبه وروحه
“وما كنت متخذ المضلين عضدًا”
هذه ليست جملة عابرة،
بل قاعدة ربانية:
الله لا يستعين بالمضلين،
ولا يتخذهم سندًا، ولا يبني بهم مشروع هداية.
فإذا كان الله الذي خلقهم وقهرهم في عبوديته لا يستعين بهم؟
فكيف تقبل أن تستعين أنت بهم أو تتخذهم دليلا وهاديا؟!
فكل فكرٍ يقوم على إقصاء الوحي،
وكل مشروعٍ يُدار بغير هدى،
وكل سلطةٍ تُستمد من الضلال…
فهي مرفوضة من السماء،
وإن صفق لها أهل الأرض.
قال تعالى في موضع آخر:
﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾
في زمنٍ يتصدر فيه “خبراء” بلا وحي،
و“مفكرون” بلا خشية،
و“مؤثرون” بلا بصيرة…
تأتي هذه الآية لتقول لك:
لا تجعل ضالًا بعيدا عن الله دليلك،
ولا تتخذ مهووسًا بالهوى مرجعك،
ولا تسلّم عقلك لمن لم يشهد خلقك،
ولا عرف ربك.
إن أخطر أنواع الشرك اليوم
ليس صنمًا يُعبد،
بل فكرة تُتبع، قائدها ضال،
وشعارها علم، وحقيقتها هوى.
استعن بالله! اطلب منه أن يُعينك، أن يُوفقك،
أن يفتح عليك، أن يُنير قلبك!
ف “من عبد الله بالله وصل،
ومن عبد الله بنفسه أو بغيره تعب وما وصل”!
خاتمة ودعاء
اللهم لا تجعلنا ممن يستبدلون وحيك بآراء البشر،
ولا ممن يثقون بالمضلين لأنهم مشهورون،
ولا ممن يسلمون عقولهم لمن لم يشهد خلقهم ولا عرف ربهم.
اللهم ارزقنا علمًا موصولًا بك،
وبصيرة لا تُخدع بالزخرف،
وثباتًا لا يضلّ مع كثرة الأصوات.
افتح مصحفك… وادخل كهفك…
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية