القِمار السياسي.. كيف تحولت أروقة السياسة إلى سوق للمراهنات؟
حين تتحول التوقعات السياسية إلى عقود مالية، يصبح امتلاك المعلومة مفتاح الربح
- معاذ الجمال
- 19 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أخبار الرائد, إدارة دونالد ترامب, كاملا هاريس, نيكولاس مادورو
قبل ساعات قليلة من إعلان الفائز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024، كانت وسائل الإعلام الكبرى لا تزال تتحدث بحذر عن سباق متقارب بين “دونالد ترامب” و”كامالا هاريس”، فيما كانت استطلاعات الرأي تعكس حالة من الضبابية يصعب معها ترجيح كفة أي من المرشحين، لكن في زاوية أخرى من المشهد، كانت أسواق التنبؤات قد حسمت موقفها مبكرًا، ملايين الدولارات التي تدفقت عبر منصات المراهنات السياسية لم تكن مجرد توقعات أو تحليلات، بل رهانات مالية حقيقية وضعها مستخدمون يعتقدون أن لديهم قراءة أدق للمشهد.
وبعد إغلاق صناديق الاقتراع بساعات، ارتفعت احتمالات فوز “ترامب” على منصة “بولي ماركت الأمريكية” إلى نحو 97% بينما بقيت المؤسسات الإعلامية الأمريكية تتريث قبل إعلان الفائز.. منذ تلك اللحظة، لم تعد أسواق التنبؤات مجرد ظاهرة رقمية، بل أصبحت جزءًا من النقاش السياسي والإعلامي، وبدأت تُطرح بوصفها أداة أكثر قدرة من استطلاعات الرأي على استشراف المستقبل، وإن كانت في جوهرها تقوم على المراهنة والمخاطرة وعدم تكافؤ الفرص بين المشاركين.
من استطلاعات الرأي إلى أسواق المراهنات..
شكّلت انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2024 نقطة تحول تاريخية في مكانة أسواق التنبؤات، ففي الوقت الذي كانت فيه استطلاعات الرأي التقليدية تشير إلى سباق متقارب للغاية بين المرشحين الجمهوري “دونالد ترامب” والديمقراطية “كامالا هاريس”، كانت منصات التنبؤات تمنح “ترامب” أفضلية واضحة، ففي اليوم السابق للاقتراع، قدرت منصة “بولي ماركت” احتمال فوزه بنحو (58%) مقابل (42%) لـ”هاريس”، بينما منحت منصة “كالشي” “ترامب” فرصة تبلغ (55%) مقابل (45%) لمنافسته.
ورغم أن هذه الفوارق لم تكن ساحقة، فإنها عكست ثقة أكبر في فوز المرشح الجمهوري مقارنة بما كانت تعرضه معظم استطلاعات الرأي، تكمن خصوصية هذه المنصات في أن توقعاتها لا تستند إلى استطلاع آراء المواطنين، وإنما إلى أموال حقيقية يضعها المشاركون خلف توقعاتهم، فكل عقد يتم تداوله يتراوح سعره بين الصفر ودولار واحد، ويعكس سعره الاحتمال الذي يمنحه السوق لوقوع الحدث، فإذا كان عقد “نعم” يُتداول عند (70 سنتًا)، فهذا يعني أن السوق يقيّم احتمال تحقق الحدث عند نحو (70%)، بينما تُقيَّم فرضية عدم حدوثه عند (30%)، وبعد حسم النتيجة، يتحول العقد الصحيح إلى (دولار كامل) بينما تصبح قيمة العقد الخاسر (صفرًا)، وفق نموذج “الفائز يأخذ كل شيء”.
هذه الآلية تجعل أسعار العقود تتغير باستمرار مع تدفق الأموال الجديدة، وليس مع تغير عدد المشاركين، لذلك.. فإن المستثمر الذي يضع (مليون دولار) يستطيع التأثير في السعر أكثر من آلاف المستخدمين الذين يراهن كل منهم بمبالغ صغيرة، ومن هنا جاءت جاذبية هذه الأسواق بالنسبة للمحللين؛ إذ يرى البعض أنها تعكس “الحكمة الجماعية” للمشاركين، بينما يرى آخرون أنها مجرد سوق مالية تعكس قوة رأس المال أكثر مما تعكس الرأي العام الحقيقي.
كيف أصبحت منصات التنبؤ لاعبًا سياسيًا وإعلاميًا؟
النجاح اللافت الذي حققته هذه المنصات في توقع نتائج الانتخابات منحها شرعية غير مسبوقة داخل “الولايات المتحدة”، فبعد سنوات من النزاعات القانونية مع “هيئة تداول العقود الآجلة للسلع”، شهدت هذه الأسواق انفراجة كبيرة مع وصول “إدارة دونالد ترامب”، التي تبنت نهجًا أكثر مرونة تجاه نشاطها، وهو ما أتاح لها التوسع بصورة أكبر داخل السوق الأمريكية.
ومع ازدياد الإقبال عليها، بدأت وسائل الإعلام تتعامل مع بياناتها باعتبارها مؤشرًا يستحق المتابعة، فدخلت منصة “بولي ماركت” في شراكات إعلامية مع مؤسسات مثل “وول ستريت جورنال”، بينما أبرمت “كالشي” تعاونًا مع “شبكة CNN”، لتتحول بيانات الرهانات إلى عنصر حاضر في تغطية الانتخابات والأحداث الاقتصادية والسياسية، ولم يعد نشاط هذه المنصات مقتصرًا على الانتخابات، بل امتد إلى كل ما يمكن أن تكون له إجابة مستقبلية واضحة، من قرارات “مجلس الاحتياطي الفيدرالي” بشأن “أسعار الفائدة”، إلى “نتائج النزاعات القضائية”، و”أسعار العملات”، و”الكوارث الطبيعية”، وحتى الأحداث الرياضية.
وبذلك أصبحت هذه الأسواق تقدم نفسها باعتبارها “بورصة لاحتمالات المستقبل”، حيث تُباع وتُشترى التوقعات كما تُباع (الأسهم والسندات)، غير أن هذا الانتشار الواسع أثار أيضًا تساؤلات أخلاقية وقانونية، فمنتقدو هذه المنصات يرون أنها لا تختلف في جوهرها عن (المقامرة التقليدية)، لأن الربح فيها يعتمد على المراهنة على حدث مستقبلي وليس على إنتاج قيمة اقتصادية حقيقية، كما يخشى البعض من أن تتحول إلى وسيلة للتأثير على الرأي العام، إذ قد يفسر المواطنون ارتفاع احتمالات فوز مرشح معين على أنه دليل على حسم السباق، مما قد يؤثر في سلوك الناخبين أنفسهم.
عدم تماثل المعلومات..لماذا يخسر أغلبية المراهنين؟
رغم الصورة اللامعة التي اكتسبتها أسواق التنبؤات بعد انتخابات 2024، فإن الأرقام تكشف واقعًا مختلفًا تمامًا بالنسبة لمعظم المشاركين، فالدراسات تشير إلى أن نحو (69%) من مستخدمي منصة “بولي ماركت” خسروا أموالهم، بينما استحوذ (1%) فقط من الحسابات على ما يقرب من (ثلاثة أرباع الأرباح)، والأكثر إثارة، أن تقارير صحفية أظهرت أن حوالي (67%) من إجمالي الأرباح ذهبت إلى ما لا يتجاوز (0.1%) من الحسابات، وهي نسبة ضئيلة للغاية تضم في الغالب مؤسسات مالية ومستثمرين محترفين، ويفسر الخبراء هذه الظاهرة بمفهوم اقتصادي معروف هو “عدم تماثل المعلومات”.
ففي هذه الأسواق، لا يمتلك جميع المشاركين القدر نفسه من المعرفة أو القدرة على الوصول إلى البيانات، فهناك مؤسسات تستخدم نماذج إحصائية معقدة، وتحليلات تعتمد على “الذكاء الاصطناعي”، وفرقًا كاملة لمتابعة الأخبار لحظة بلحظة، بينما قد يمتلك آخرون معلومات مبكرة أو مصادر خاصة تمنحهم أفضلية كبيرة قبل أن تصبح المعلومات متاحة للجميع، وتبرز خطورة هذه الفجوة في الحالات التي يجري فيها استغلال معلومات غير متاحة للعامة، فقد أثارت تقارير إعلامية جدلًا واسعًا بعد الكشف عن واقعة ضابط سابق في القوات الخاصة الأمريكية، حقق أرباحًا ضخمة بعدما راهن استنادًا إلى معلومات سرية، تتعلق بعملية استهدفت الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو”، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الحدود الفاصلة بين الاستثمار المشروع واستغلال المعلومات الداخلية.
في نهاية الأمر، تبدو أسواق التنبؤات وكأنها تقدم وعدًا مغريًا بقراءة المستقبل، لكنها في الواقع تعكس ميزان القوى بين من يمتلك المال والمعلومة ومن لا يمتلكهما، صحيح أنها أثبتت في بعض المناسبات قدرة لافتة على استشراف النتائج، إلا أن دقة التوقع لا تعني عدالة السوق، فبينما ينجذب آلاف المستثمرين الأفراد إلى حلم الربح السريع، تكشف الأرقام أن الغالبية تغادر بخسائر، في حين تواصل أقلية صغيرة، تمتلك المعرفة والبيانات ورأس المال، حصد النصيب الأكبر من المكاسب، وهكذا.. قد تكون (أسواق التنبؤات) أصبحت أكثر دقة من (استطلاعات الرأي) في بعض الأحيان، لكنها ليست ساحة متكافئة، بل سوقًا تحكمها المعلومات قبل أن تحكمها التوقعات، وتحدد فيها الأفضلية لمن يعرف أكثر، لا لمن يراهن أكثر.
