القوة البحرية الأمريكية.. ثمن الأمن الذي اعتاد العالم وجوده

هرمز يكشف حدود القوة

لم تكن التجارة العالمية بحاجة إلى أن تتوقف المحيطات كي تدرك قيمة القوة البحرية الأمريكية. يكفي أن تصبح سفينة تجارية مترددة في عبور مضيق استراتيجي، أو أن ترتفع كلفة التأمين إلى مستويات غير مسبوقة، حتى يظهر ما كان مختفيًا خلف انتظام حركة التجارة لعقود: الأمن البحري ليس أمرًا تلقائيًا، بل خدمة استراتيجية لها كلفة وقوة تحميها.

وتكشف أزمة مضيق هرمز هذه الحقيقة بصورة مباشرة. فقد تراجعت حركة السفن في المضيق إلى مستويات شديدة الانخفاض خلال مراحل التصعيد، ووصل عدد العبور في أحد أيام سبتمبر إلى أربع سفن فقط، مقارنة بمتوسط بلغ 18 سفينة خلال عشرة أيام في الفترة نفسها. والمضيق الذي تمر عبره عادة نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية أصبح اختبارًا لقدرة القوة العسكرية على حماية التجارة في بيئة يمكن فيها لصاروخ أو مسيّرة أو لغم بحري أن يغيّر حسابات شركات النقل والتأمين.

أمن بحري لا يراه المستهلك

على مدى عقود، اعتاد المستهلك الأمريكي والغربي أن تصل إليه السلع والطاقة بصورة منتظمة، من دون أن يفكر كثيرًا في السفن التي تنقلها أو الأساطيل التي تؤمّن طرقها. لكن سلاسل الإمداد الحديثة تعتمد بصورة جوهرية على البحر، إذ تنقل السفن المواد الخام والمكونات والسلع والطاقة بين القارات.

وهنا تكمن أهمية القوة البحرية الأمريكية. فهي لا ترافق كل سفينة تجارية، ولا تستطيع منع كل حادث، لكنها توفر مظلة ردع تجعل تعطيل الممرات البحرية أكثر صعوبة وكلفة.

ويقول بروس جونز، الباحث البارز في مؤسسة بروكينغز، إن الحفاظ على دور الولايات المتحدة في ضمان حرية التجارة عبر البحار سيتطلب قدرات وأسلحة ومفاهيم عملياتية جديدة، وربما ترتيبات أكبر لتقاسم الأعباء مع الحلفاء، في ظل توسع قدرة الدول الأضعف والجماعات المسلحة على تعطيل التجارة البحرية.

وهذا التحول مهم؛ لأن التحدي لم يعد محصورًا في مواجهة أساطيل دول كبرى، بل أصبح يشمل ألغامًا وصواريخ ومسيّرات وقوارب صغيرة وقدرات غير متماثلة يمكنها تهديد سفن تجارية تفوق قيمتها عشرات أو مئات الملايين من الدولارات.

هرمز يكشف حدود القوة

أطلقت الولايات المتحدة خلال الأزمة عملية «بروجيكت فريدوم» لدعم استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وشملت المهمة مدمرات وطائرات ومنصات غير مأهولة وآلاف العسكريين، كما نفذت القوات الأمريكية عمليات لتهيئة الممر أمام حركة السفن وإزالة الألغام.

لكن المشكلة أن حماية الملاحة لا تعني بالضرورة إعادة الثقة فورًا.

فالقبطان لا يسأل فقط عما إذا كان الممر مفتوحًا من الناحية القانونية، بل عما إذا كانت السفينة ستصل إلى وجهتها بأمان، وما إذا كانت شركة التأمين مستعدة لتحمل المخاطر، وما إذا كانت تكلفة الرحلة ستظل اقتصادية.

وهذه النقطة تفسر لماذا يمكن أن يبقى الممر مفتوحًا نظريًا، بينما تظل حركة التجارة محدودة عمليًا.

ويرى ماكس بوت، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، أن العمليات العسكرية وحدها لا توفر بالضرورة حلًا نهائيًا لمشكلة هرمز، وأن العودة المستدامة إلى حرية الملاحة تحتاج إلى معالجة سياسية تتجاوز العمليات العسكرية المباشرة.

التأمين يتحول إلى سلاح اقتصادي

أحد أبرز آثار الأزمة ظهر في سوق التأمين البحري. فكلما ارتفع احتمال استهداف السفن، ارتفعت تكلفة التأمين، ثم انتقلت الزيادة إلى شركات النقل وأصحاب الشحنات والمستهلك النهائي.

وهكذا يتحول الخطر العسكري إلى فاتورة اقتصادية غير مباشرة.

وقد أصبح هذا واضحًا في هرمز، حيث تتعرض السفن التجارية لتهديدات تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن غير المأهولة، وفق التحذيرات البحرية الأمريكية.

كما أن ارتفاع أجور أطقم السفن وتكاليف الشحن خلال الأزمة يعكس حجم المخاطر التي بات العاملون في القطاع يتحملونها. وتكشف التقارير الحالية أن بعض قباطنة ناقلات النفط يحصلون على مبالغ استثنائية مقابل الإبحار في مناطق عالية الخطورة، بينما ارتفعت أسعار استئجار الناقلات إلى مستويات بعيدة عن المعتاد.

وهذا يعني أن أمن الممر البحري لا يتعلق فقط بالدول والجيوش، وإنما بسلسلة اقتصادية كاملة تبدأ بالبحار وتنتهي بالمستهلك.

من النفط إلى الغذاء

الأثر الأخطر قد لا يكون في أسعار النفط وحدها. فالممرات البحرية تنقل أيضًا الأسمدة والغاز والمواد الخام التي تحتاج إليها الصناعات والزراعة.

وحذر جون دينتون، الأمين العام لغرفة التجارة الدولية، من أن استمرار أزمة هرمز يمكن أن يتحول إلى مشكلة للأمن الغذائي العالمي، بسبب اضطراب إمدادات الأسمدة والغاز، مشيرًا إلى أن انخفاض المعروض من الأسمدة يمكن أن يرفع أسعار الحبوب ويزيد الضغوط على الدول النامية.

وهنا تتضح طبيعة الترابط في الاقتصاد العالمي: إغلاق أو اضطراب ممر بحري في الخليج لا يبقى داخل الخليج، بل ينتقل أثره إلى المصانع والمزارع والأسواق في آسيا وأوروبا وأمريكا.

باب المندب يوسع دائرة الخطر

ولا يمكن النظر إلى هرمز بصورة منفصلة عن باب المندب والبحر الأحمر. فكلما تعرض ممر بحري استراتيجي للخطر، يصبح البحث عن طريق بديل أكثر تكلفة وتعقيدًا.

وقد أدت الهجمات السابقة في البحر الأحمر إلى إعادة توجيه سفن كثيرة حول رأس الرجاء الصالح، بما زاد زمن الرحلات واستهلاك الوقود. ومع استمرار المخاطر في المنطقة، أصبح أمن خطوط الملاحة قضية مترابطة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

ويعني ذلك أن الولايات المتحدة لا تواجه تحديًا منفردًا في هرمز، وإنما نظامًا بحريًا إقليميًا يمكن أن تتراكم فيه المخاطر. وإذا تزامنت الأزمات في أكثر من ممر، فإن قدرة الأسواق على امتصاص الصدمة تصبح أكثر محدودية.

هل تستطيع أمريكا تحمل تكلفة الدور؟

هنا تصل الأزمة إلى جوهر النقاش السياسي والاستراتيجي.

فالوجود البحري الأمريكي مكلف، سواء من حيث السفن والقواعد والطائرات أو من حيث الانتشار المستمر في مناطق بعيدة. وفي المقابل، تستفيد الولايات المتحدة نفسها من استقرار التجارة العالمية، سواء عبر واردات أقل تكلفة أو أسواق تصدير أكثر اتساعًا أو استقرار أسعار الطاقة والمواد الخام.

ولهذا فإن السؤال ليس ببساطة: كم تنفق أمريكا على حماية الممرات البحرية؟ بل أيضًا: كم سيكلفها اضطراب تلك الممرات إذا تراجعت الحماية؟

ويرى بروس جونز أن التحولات في البيئة البحرية العالمية تجعل الولايات المتحدة أمام حاجة لإعادة التفكير في حجم وقدرات قوتها البحرية، إلى جانب زيادة مساهمة الحلفاء في تحمل أعباء حماية التجارة.

وهذا الطرح يفتح الباب أمام نموذج مختلف، لا تقوم فيه واشنطن وحدها بتوفير الأمن البحري، وإنما تعمل ضمن ترتيبات جماعية مع القوى الآسيوية والأوروبية ودول الخليج.

أزمة ثقة وليست أزمة سفن فقط

الخطر الأكبر ربما يتمثل في تراجع الثقة في قدرة النظام الأمني القائم على حماية التجارة بصورة مستمرة.

فإذا بدأت شركات الشحن في بناء خططها على أساس أن الممرات الاستراتيجية قد تغلق أو تصبح خطرة في أي وقت، فسوف تتغير قرارات الاستثمار والتأمين وبناء الأساطيل ومخزونات الطاقة.

وقد بدأ هذا التغيير بالفعل في بعض الأسواق. ويشير راسل هاردي، الرئيس التنفيذي لشركة «فيتول»، إلى أن الأزمة انتقلت من أزمة طاقة إلى أزمة شحن، مع استمرار صعوبات نقل النفط وتراجع كفاءة حركة الناقلات. وحذر من أن استمرار اضطراب التدفقات قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير إذا تقلصت المخزونات العالمية.

وبالتالي، فإن إعادة السفن إلى البحر لا تعني وحدها عودة النظام إلى طبيعته. المطلوب هو استعادة الثقة التي تجعل الشركات مستعدة للإبحار دون تحميل كل رحلة تكلفة استثنائية.

ماذا بعد هرمز؟

من المرجح أن تدفع أزمة هرمز الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة النظر في مفهوم حماية التجارة البحرية. وقد يعني ذلك زيادة الاستثمار في الدفاعات المضادة للمسيّرات والصواريخ، وتطوير قدرات إزالة الألغام، وتوسيع استخدام الأنظمة غير المأهولة، إلى جانب تعزيز التنسيق الاستخباراتي بين الدول.

لكن الجانب العسكري لن يكون كافيًا وحده.

فالمنظمة البحرية الدولية شددت على ضرورة استعادة سلامة الملاحة وحماية البحارة والتدفق الحر للتجارة، بعدما سجلت عشرات الهجمات على الملاحة الدولية منذ بداية الصراع.

ومن هنا قد تتزايد الدعوات إلى ترتيبات دولية أوسع لحماية الممرات البحرية، بدل ترك مسؤولية الأمن البحري لدولة واحدة.

في النهاية، كشفت أزمة هرمز أن القوة البحرية الأمريكية لم تكن مجرد أداة عسكرية تخدم المصالح الأمريكية، بل كانت جزءًا من البيئة التي سمحت للاقتصاد العالمي بالعمل بكفاءة لعقود. لكن الأزمة كشفت أيضًا حدود هذه القوة: تستطيع البحرية إزالة الألغام وحماية السفن وردع بعض الهجمات، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة الثقة أو إنهاء الدوافع السياسية للصراع.

ولهذا فإن مستقبل التجارة البحرية لن يتحدد فقط بحجم الأسطول الأمريكي، وإنما بقدرة واشنطن وحلفائها على بناء نظام أمني أكثر توزيعًا واستدامة، وبقدرة الدبلوماسية على منع الممرات البحرية من التحول إلى ساحات صراع.

وقد تكون هذه هي الرسالة الأهم التي خرج بها العالم من هرمز: الأمن البحري يصبح مرئيًا فقط عندما يبدأ بالاختفاء، وثمن غيابه قد يصل إلى كل مستهلك، حتى من لم ير البحر في حياته.

اترك تعليقا