العنصرية بين الإسلام والعلمانية
د. ياسر عبد التواب يكتب
- dr-naga
- 25 سبتمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الإسلام والعلمانية, العنصرية, جريدة الأمة الإلكترونية, د. ياسر عبد التواب
يمكننا النظر إلى مبدأ العلمانية على أنها الفكرة التي تتبناها النظم العالمية الحالية (رغم اختلاف توجهاتها يمينا أو يسارا ) كنوع من التوافق بين الأنظمة السياسية الحاكمة وبين الأديان التي يعتنقها أبناء القطر الواحد وأفرز ذلك ما يسمى بالعقد الاجتماعي الذي يحدد العلاقات بين المجتمع ونظامه الحاكم كي تحافظ على نسيج المجتمعات دون خلافات وتعصبات ؛ وتقوم تلك الأنظمة على أساس فصل الأديان عن التدخل في نظم الحياة التي توافق عليها البشر المقيمين على تلك الأرض كنوع من الحياد
وهذا مبدأ نظري تم الوصول إليه بشكل خاص في الغرب – وفي الشرق وضع مشابه حيث كان الإلحاد منافسا للتدين – بعد أحداث مريرة تحكم فيها رجال الدين هناك وحكامها في المجتمع برمته
وكان بين رجال الدين والحكام منافسة وتحكمات وشد وجذب وكانت الأمور غالبا ترجح في كفة رجال الدين نظرا لسلطتهم الروحية ومن ثم فقد عمل رجال الحكم من الملوك والساسة على استرضائهم وكانت الشعوب هي من تدفع ثمن تلك التفاعلات – توافقا او اختلافا –وهو ما كان تمهيدا مجتمعيا للثورات ضد تلك الأنظمة
ومن بعد ذلك توافقت الثورات والحروب الأهلية على عقد اجتماعي جديد أفرز العلمانية كإطار فلسفي تطبيقي يقصي تحكم رجال الدين ويضبط أداء رجال الحكم وفقا لأصول أرضية لا كهنوتية وتبع ذلك إنشاء أدوات الحكم من قوانين ومواثيق ومنظمات تتبنى إشاعة تلك النظم ( كالأمم المتحدة ومجلس الأمن حاليا )
وظل تطبيق ذلك في أرض الواقع صعبا للغاية حيث العلمانية نشأت في ظرف عدائي للدين كنتاج لثورات كان رجال الدين طرفا فيها
ويجب ان نلفت النظر هنا إلى أن هذا الصراع ليس له علاقة بالإسلام لا ثقافة ولا واقعا
فالعلمانية نشأت في ظروف وأحداث مختلفة وهي لا تناسب فكر الإسلام ولا تمت لواقع حياة المسلمين ؛ رغم توافقه معها في مكافحة التسلط على المجتمعات أيا كان مصدره الإنساني سواء رجال دين أو حكام؛ لكنه يختلف معها في الالتزام بما ثبت من الدين وبالعناية ببث القيم ،حيث ينظر للإنسان على نفس وروح وليس كالنظرة المادية الطاغية الحالية
وهذا مفترق طرق كبير بين نظام الإسلام الرباني المنفتح المانع للظلم والمشيع للرقابة الذاتية وللتوجه القيمي وبين النظم العلمانية المادية المنغلقة على التعصب ضد أي دين والذي يتعامل بانتقائية متحيزة ضد الإسلام بشكل خاص
إن دينا يطلب من أتباعه الالتزام بنظام معين في جميع أحوالهم الحياتية من الصعب أن تطلب من أتباعه تجاهل كل المطلوبات العبادية من صلوات واذكار أو مطلوبات أسرية وتربوية ونظام العائلة بما فيها من متطلبات مختلفة او مطلوبات في التعامل والمعاملات الشخصية والاجتماعية والمحرمات والواجبات الشخصية او المالية ونظام في اللباس للرجال وللنساء حتى الدولة لها نظام ولها ثقافة ولها علاقات قائمة على نظام العبودية الربانية والتزام الدين فيه فمستحيل فصم تلك العلاقة
والحقيقة أن من فرضوا العلمانية على الجماعات والدول خالفوا مبادئ العلمانية والتي تفترض الحياد وتجاوزوها إلى فكرة اضطهاد للأديان ومحاربتها باعتبارها مظهرا من مظاهر التخلف ، وهذا نوع من العنصرية ولو اتخذت شكلا مخالفا للدين وليس انطلاقا من الدين ولذا لنا أن نتوقع ان تكون تلك العلمانية مرفوضة في دين الإسلام
– يعني هناك عنصرية دينية تفرق بين الناس على أساس انتمائهم للدين ( اليهود مثلا في نظرتهم أنهم كلهم شعب الله المختار )
– وعنصرية لا دينية تضطهد الدين نفسه وصورتها الصارخة الدول التي تتبنى الإلحاد كالدول الشيوعية وغالبا الأديان التي لها منهج حياة وليس مجرد فلسفات روحية وهنا تصطدم مباشرة بالإسلام وهذه فكرة العلمانية التي مثلت أساسا لنوع من العنصرية
-(ولفظة العلمانية هي ترجمة غير دقيقة للفظة الإنجليزية (secularism) واللفظة الفرنسية
(sécularisme) وكذلك لفظتي (laicism) الإنجليزية و(laïcisme) الفرنسية، وكلتاهما مشتقة من الكلمة اللاتينية (laicus) التي تعني “الشخص العادي”، وهي بدورها مأخوذة عن اللفظ اليوناني ”laós – λαός” ومعناه “الشعب”.
غير أن الاستعمال اللاتيني لهذه اللفظة قد تخصص في قسم من “الشعب”، وذلك في مقابل “الكاهن” (clerc)، وهو رجل المعرفة “العالِم” (عوضا عن معنى اللفظ اليوناني “clêros” بمعنى الحظ الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي
# د. ياسر عبد التواب يكتب
المصدر:جريدة الأمة الإلكترونية