العلاقة الحميمة بين محمد حسنين هيكل والأمريكان

د. فؤاد زكريا

إن المرء يستطيع أن يقول باطمئنان، إن علاقة هيكل بأمريكا علاقة حميمة، خاصة جدا، فمنذ البداية كانت أمريكا هي الموضوع الرئيسي الذي دار حوله الخلاف بينه وبين الأجنحة الناصرية الأخرى، فضلا عن اليسار بطبيعة الحال، وكان إيمان هيكل بقوة أمريكا وتأثيرها ودورها وعدم إمكان تجاهلها، إيمانًا راسخًا لا يتزعزع، أما الكتابات التي هاجم فيها أمريكا في السنوات الأخيرة من حكم عبد الناصر، فلا تمثل أي اتجاه دائم لديه، وإنما كان هذا الهجوم ضرورة تكتيكية في ظل الظروف السائدة بعد هزيمة ١٩٦٧م، وما إن استتب الأمر للسادات، حتى عاد الاتجاه الأمريكي للظهور، وكان التحول الذي طرأ على اتجاه السياسة المصرية نحو أمريكا في عام ۱۹۷۲م، والذي دعا إليه هيكل بحماسة بالغة، هو نقطة البدء الحقيقية في التغلغل الأمريكي في المنطقة العربية كلها، وليس اتفاقية فض الاشتباك، كما يؤكد هيكل باستمرار.

وكانت شكوك الاتحاد السوفيتي فيه قديمة، فكتب هيكل نفسه في مقال له بتاريخ 27/8/1971 يقول : “إن عناصر من داخل الاتحاد السوفييتي أو موالية له بالفعل أو بالادعاء رمتني مرات بممالأة أمريكا (العمالة لأمريكا) لأنني طالبت بعدم التصادم والتناطح معها بالقوة” !!

وأنا أعرف أن هذا الموضوع يثير حساسية خاصة لدى هيكل؛ ولذلك فإنني سأتبع في إثباتي لما أقول، أكثر الطرق أمانًا، وأعني به الاستعانة بما يقول هيكل نفسه.

في أحد المواضع في كتاب مدافع آية الله يتحدث هيكل عن وساطة، طلبتها منه أمريكا من أجل حل مشكلة الرهائن الذين كانوا محتجزين في السفارة الأمريكية بطهران مرة قبل محاولة أمريكا الفاشلة لإنقاذ الرهائن بالقوة الأولى في صحراء تاباز، ومرة أخرى بعد قيام هذه المحاولة وفشلها الذريع. في المرة الأولى سأله هارولد سوندرز، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، عما إذا كان على استعداد لمساعدة الرئيس كارتر، فأجاب هيكل بأنه على استعداد لمساعدة الإيرانيين، ومن الواضح أن السؤال أهم ألف مرة من الجواب، فما الذي يدفع موظفا رسميًا أمريكيا إلى أن يسأل صحفيًا مرموقا في دولة يوجد بينها وبين أمريكا تضارب شديد في المصالح، عما إذا كان على استعداد لمساعدة رئيس دولته؟ وعلى أي أساس بنى توقعه بإمكان قيام هيكل بهذه الخدمة للرئيس الأمريكي؟.

المشكلة الكبرى هي أن الأمريكيين كانوا يأملون أن يوافق على هذه الخطوة. فعلى أي أساس جاءهم هذا الأمل؟ كيف تصوروا أنه سيقبل الاشتراك في عملية خداع الحكام الإيرانيين ومعاملتهم كأنهم أطفال؟ من أين جاء كل هذا الأمل، وكل هذا «العشم» في هيكل ؟ وكيف توقعوا منه أن يتجاوز مهمة الوساطة ويقوم بتمثيلية خداعة على الإيرانيين باسم الإسلام، أي أن يخاطبهم وفي نيته أن يغشهم ويستغل سذاجتهم لصالح أمريكا؟ وما هو نوع الروابط التي تربطه بهم حتى يطلبوا منه شيئًا كهذا؟
إنني، إدراكا مني لحساسية هذا الموضوع عند هيكل، حرصت على ألا أستخدم نوع الألفاظ الذي يغضبه، ولكن الأهم من ذلك أنني لم أت بشيء من عندي، وكل ما فعلته هو أنني تركت هيكل يدين هيكل.

هامش:
فؤاد زكريا نقل في كتابه “كم عمر الغضب” رواية منشورة تتحدث عن اتهام القيادة السوفيتية في موسكو لمحمد حسنين هيكل صراحة بالعمالة لأمريكا، وأنهم على علم موثق بتلقيه دفاعات مالية منتظمة من الأمريكيين، لكن زكريا اكتفى بنسبتها لراويها على مسؤوليته، لكن هيكل نفسه، وبقلمه، هنا يشير بوضوح إلى تلك الاتهامات بلغة منمقة ومخففة.

اترك تعليقا