العدوانية النشطة- ثور هايج في محل للخزف

محمد سعد يكتب

الموضوع يتسع، والعدوانية تتمدد.
بعد فنزويلا، وإيران، نحن الآن أمام كارثة تتحقق في كوبا.

الولايات المتحدة تخنق كوبا وتمنع وصول النفط والوقود إليها. وقد بلغ التصعيد حد تهديد أي دولة أو جهة تحاول تزويد الجزيرة بالطاقة بعقوبات مباشرة، ما أدى إلى تعطّل الإمدادات التي يعتمد عليها الاقتصاد الكوبي في تشغيل الكهرباء والنقل والصناعة.
من يناير اللي فات، وبعد التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، فرضت واشنطن حصارًا نفطيًا عمليًا على كوبا. ولوحت بفرض رسوم جمركية وعقوبات على أي دولة تواصل إرسال النفط إلى الجزيرة، مثل المكسيك أو روسيا، وهو ما أدى إلى توقف الإمدادات الفنزويلية التي كانت تغطي أكثر من نصف احتياجات كوبا من الوقود.
كما أصدر الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يصنّف الحكومة الكوبية “تهديدًا استثنائيًا” للأمن القومي الأمريكي، وصرّح في مناسبات عدة بأن “انهيار النظام بات قريبًا”، وتحدث عن ضرورة “تغيير النظام”، بل ولوّح بفكرة “استيلاء ودي” على كوبا، مؤكدًا أن “شيئًا ما سيحدث قريبًا جدًا”.

غالبية أنحاء الجزيرة تعاني من انقطاعات كهرباء طويلة تصل إلى 16–20 ساعة يوميًا، فيما شهدت بعض المناطق انقطاعًا لأيام كاملة. كما تعرضت الشبكة لانهيارات وطنية متكررة خلال الأشهر الأخيرة، كان أحدثها في مارس 2026. وقد أدى النقص الحاد في الوقود إلى توقف قطاعات واسعة من الصناعة والنقل والخدمات الأساسية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات توزيع الغذاء.
في الوقت نفسه، تفاقمت أزمات الغذاء والدواء والمياه، وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، بينما تراجعت القوة الشرائية للرواتب الحكومية إلى مستويات متدنية للغاية، في ظل تقديرات تشير إلى أن متوسط الدخل الشهري لا يتجاوز نحو 13 دولارًا وفق سعر الصرف غير الرسمي.

كوبا اليوم تعيش في ظلام بالمعنى الحقيقي والمجازي:
مستشفيات تحت الضغط، نقل شبه مشلول، واقتصاد يترنح على حافة كارثة إنسانية مع ضبابية كاملة حول مستقبل الدولة الجزيرة.

احنا قدام حالة من العدوانية المدمرة النشطة التي تطول العالم كله.
احنا عندنا إدارة في سنتها الأولى عملت تسييل العنف في العالم سواء عنف كامن أو عنف مباشر ودماء تسيل من أجل متعة الرئيس، نص كلامه لما قال قتلنا البحارة الإيرانيين لا لشيء إلا للمتعة، وسنضرب جزر إيرانية للمتعة.
في سنتها الأولى سمحت إدراة ترامب الإجرامية لإسرائيل بتوسيع نطاق المذبحة في غزة، وهددت بالسيطرة بالقوة على جرينلاند، وطُرحت أفكار غير مسبوقة حول ضم كندا، كما أُعلنت حرب تجارية واسعة النطاق طالت معظم الشركاء الاقتصاديين. وفي فنزويلا، جرى إزاحة الرئيس بالقوة والسيطرة على قطاع النفط بصورة مباشرة تعكس منطقًا استعماريًا صريحًا في التعامل مع موارد الدول الأخرى. كذلك دخلت الولايات المتحدة في عدوان غير شرعي، بالتحالف مع إسرائيل، ضد إيران.

نحن نشهد مرحلة يبدو فيها أن الإمبراطورية لم يعد لديها ما تقدمه للعالم سوى التهديد والقوة المجردة، بلا أفكار بديلة أو نماذج سياسية جاذبة. فالإمبراطوريات في طور نموها تبدأ عادة بالتبشير بفكرة أو نموذج يمنح توسعها معنى، لكن مع تضخم القوة وترسخ الهيمنة يتراجع دور الفكرة، ولا يبقى في النهاية سوى استعراض القوة للحفاظ على التفوق.

القوة المركزة خطر، لكن استعراضها الشرير والمدمر أخطر.
فالعدوانية النشطة تولد بطبيعتها قوى مقاومة مضادة، وبطريقة أو بأخرى يميل النظام الدولي إلى إعادة التوازن. فالإفراط في فرض الإرادة يخلق ردود فعل تراكمية، قد تظهر ليس فقط في الدول المستهدفة، بل حتى من داخل الولايات المتحدة نفسها. هذا عالم ليس في حالة توازن وفي مرحلة تغيير لكنه للأسف تغيير بيحصل بالنار والدم وأغلبه دماء الشعوب الأضعف.