الصين تختبر حدود طفرة الذكاء الاصطناعي
إقبال قياسي على «يونيتري» يرفع المخاوف من فقاعة استثمارية
- محمود الشاذلي
- 11 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- الصين, طفرة الذكاء الاصطناعي, يونيتري
دخل قطاع الذكاء الاصطناعي والروبوتات في الصين مرحلة جديدة من الحماس الاستثماري، بعدما تجاوز الطلب على الطرح العام الأولي لشركة «يونيتري» المتخصصة في صناعة الروبوتات 8 آلاف مرة حجم الأسهم المتاحة للمستثمرين الأفراد في بورصة شنغهاي، في واحدة من أبرز مؤشرات الإقبال على القطاع خلال السنوات الأخيرة.
وتستهدف «يونيتري» جمع نحو 900 مليون دولار من الطرح، بينما يصل تقييم الشركة إلى ما يقارب مئة ضعف أرباحها، وفقاً لتحليل نشرته «رويترز» الثلاثاء.
ويضع هذا الإقبال القياسي الشركة في قلب التحول الذي تسعى بكين إلى تحقيقه في قطاع التكنولوجيا؛ إذ لا تقتصر الاستراتيجية الصينية على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والبرمجيات، وإنما تمتد إلى دمج هذه التقنيات في قطاعات الإنتاج والصناعة والخدمات، من خلال الروبوتات والأنظمة ذاتية التشغيل.
لكن الحماس المحيط بالاكتتاب يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل تعكس هذه التقييمات الثقة في مستقبل التكنولوجيا الصينية، أم أن السوق بدأت تدخل مرحلة من المبالغة في تسعير شركات الذكاء الاصطناعي والروبوتات؟
من الذكاء الاصطناعي إلى المصانع
تأتي طفرة «يونيتري» في سياق استراتيجية صينية أوسع لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية، خصوصاً بعد القيود الأميركية المفروضة على وصول الشركات الصينية إلى بعض أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة.
ودفعت هذه القيود بكين إلى تسريع بناء منظومة تكنولوجية محلية تشمل الرقائق الإلكترونية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والروبوتات، بهدف تعزيز قدرة الاقتصاد الصيني على تطوير التقنيات الأساسية وتصنيعها محلياً.
وتتمتع الصين في هذا السباق بميزة يصعب تجاهلها؛ فهي لا تمتلك فقط قاعدة ضخمة من الباحثين والمطورين، وإنما تملك أيضاً واحدة من أكبر القواعد الصناعية وسلاسل التوريد في العالم.
وهنا تبرز أهمية شركات الروبوتات مثل «يونيتري».
فالروبوتات البشرية والكلاب الآلية والأنظمة ذاتية التشغيل قد تنتقل خلال السنوات المقبلة من مرحلة التجارب والعروض التقنية إلى الاستخدام التجاري واسع النطاق، داخل المصانع والمستودعات وشبكات النقل والخدمات.
وبالتالي، فإن الرهان الصيني لا يتعلق فقط بمن يستطيع تطوير نموذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً، وإنما بمن يستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي إلى منتجات صناعية قابلة للإنتاج على نطاق واسع وبتكلفة منخفضة.
مؤشر قوة أم بداية فقاعة؟
رغم ذلك، فإن حجم الطلب على أسهم «يونيتري» لا يمثل بالضرورة دليلاً على أن القيمة السوقية للشركة تعكس قيمتها الاقتصادية الفعلية.
فتقييم الشركة عند نحو مئة ضعف الأرباح يعني أن المستثمرين يراهنون على معدلات نمو استثنائية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعل السهم شديد الحساسية لأي تباطؤ في الإيرادات أو الأرباح.
وأشارت «رويترز» إلى أن الجهات التنظيمية الصينية أصبحت أكثر تقبلاً لموجة الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، في تحول لافت في سوق اعتادت بكين إدارة إيقاعها بصورة أكثر صرامة.
وتكمن المعضلة بالنسبة إلى الحكومة الصينية في ضرورة تحقيق توازن دقيق: توفير التمويل لشركات التكنولوجيا المحلية حتى تتمكن من منافسة الشركات الأميركية، من دون السماح بتحول الدعم الاستراتيجي إلى موجة مضاربات منفلتة.
فالمستثمرون يدركون أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات يمثلان أولوية استراتيجية لبكين، ولذلك قد ترتفع شهية المخاطرة تجاه الشركات العاملة في القطاع حتى قبل أن تثبت قدرتها على تحقيق أرباح مستدامة.
وإذا أصبحت أسعار الأسهم منفصلة بصورة كبيرة عن الأداء التشغيلي، فقد يتحول سوق المال من أداة لتمويل الابتكار إلى منصة للمضاربة على توقعات مستقبلية غير مؤكدة.
الصناعة تمنح الصين أفضلية
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال الطفرة الحالية في المضاربة وحدها.
فالصين تمتلك مجموعة من العوامل التي قد تمنح شركاتها فرصة حقيقية للنجاح، أبرزها قاعدة صناعية ضخمة، وسوق محلية واسعة، وشبكات توريد متكاملة، وقدرات إنتاجية تسمح بتصنيع المكونات والأجهزة بكميات كبيرة.
وهذه العناصر قد تكون حاسمة في سوق الروبوتات تحديداً.
فإذا نجحت الشركات الصينية في خفض تكلفة الروبوتات وتحسين قدرتها على أداء مهام عملية في المصانع والمستودعات والخدمات، فقد تتحول هذه الصناعة إلى أحد محركات النمو التكنولوجي الجديدة في البلاد.
وقد يكون هذا النموذج شبيهاً بما حدث في قطاع السيارات الكهربائية، حيث استفادت الشركات الصينية من السوق المحلية الضخمة والقدرات التصنيعية لتطوير منتجات منخفضة التكلفة، قبل التوسع في الأسواق الخارجية.
المعركة المقبلة خارج الصين
وتشير التطورات الحالية إلى أن المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي قد تدخل مرحلة جديدة.
فالصراع لن يدور فقط حول الشركات التي تطور أفضل النماذج والخوارزميات، وإنما حول القدرة على دمج الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الحقيقي وتحويله إلى أدوات ومنتجات تستخدم على نطاق واسع.
وفي هذا السياق، يمكن للروبوتات أن تصبح أحد أهم ميادين المنافسة بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا، خصوصاً مع تزايد الحاجة إلى الأتمتة في ظل ارتفاع تكاليف العمالة ونقص بعض المهارات في الاقتصادات المتقدمة.
وقد تتيح هذه المعادلة للشركات الصينية فرصة للانتقال من المنافسة داخل السوق المحلية إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وأسواق الشرق الأوسط، إذا تمكنت من الجمع بين السعر المنخفض والتكنولوجيا القادرة على تلبية الاحتياجات التجارية.