السودان يطلق حوارا وطنيا بالتوازي مع استمرار المسار العسكري

مشاركة الإسلاميين والدعم أبرز التحديات

السودان يفتح باب الحوار رغم استمرار الحرب

فتح رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان اليوم الأحد مساراً سياسياً جديداً، بإعلانه الموافقة على إطلاق حوار سوداني شامل تشارك فيه القوى السياسية والمدنية، مع تعهده بتوفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين. ويأتي الإعلان في وقت تستمر فيه المعارك على جبهات عدة، ما يجعل المبادرة محاولة سياسية وسط بيئة عسكرية لم تتغير بعد.

وقال البرهان إن الدولة لن تكون الجهة التي تنظم الحوار أو تحدد أطرافه وأجندته ومخرجاته، وإن آلية وطنية مستقلة ستتولى إدارة العملية. كما تعهد بتوفير حماية للمشاركين وتعليق الإجراءات الجنائية بحق من تشملهم المبادرة، في محاولة لتهيئة ظروف تسمح بعودة القوى السياسية والمدنية إلى العملية السياسية.

لكن الإعلان يوبحسب مراقبين حمل تناقضاً أساسياً يصعب تجاهله. فالبرهان يفتح باب الحوار السياسي، وفي الوقت نفسه يؤكد استمرار العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع حتى هزيمتها. وهذا يعني أن الحوار المقترح لا يبدو حتى الآن بديلاً عن المسار العسكري، بل مساراً سياسياً موازياً له.

مبادرة للحوار الوطني

وتزداد صعوبة المبادرة بسبب موقف قوى سياسية ومدنية سودانية منها. فقد رفضت شخصيات وتيارات مؤيدة للسلام الدعوة بصيغتها الحالية، معتبرة أن الحوار الذي يجري في ظل استمرار الحرب ومن دون اتفاق واضح على شروط المشاركة قد يتحول إلى أداة لإعادة ترتيب السلطة بدلاً من إنهاء الصراع.

وهذه النقطة هي الاختبار الحقيقي للمبادرة. فالحوار السوداني لن ينجح بمجرد جمع شخصيات سياسية في قاعة واحدة، وإنما يحتاج إلى تحديد واضح لمن يشارك، وما إذا كانت القوى المدنية المستقلة قادرة على العمل بحرية، وكيف سيتم التعامل مع المسؤولية عن الانتهاكات التي وقعت خلال الحرب.

كما أن استبعاد أي مكون سياسي كبير يمكن أن يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها. وقال رئيس الحركة الوطنية السودانية، التجاني سيسي، اليوم إن استبعاد أي طرف من الحوار سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة، وهو موقف يعكس المخاوف من أن يتحول الحوار إلى عملية انتقائية.

مشاركة الإسلاميين والدعم

وفي المقابل، فإن إدخال جميع الأطراف من دون شروط قد يثير اعتراضات أخرى، خصوصاً بشأن القوى المرتبطة مباشرة بالأطراف المسلحة أو بنظام الرئيس السابق عمر البشير. ولذلك فإن تحديد معايير المشاركة سيكون من أكثر الملفات حساسية.

وتأتي أهمية المبادرة أيضاً من توقيتها. فالحرب السودانية دخلت عامها الرابع، وأصبحت البلاد من أكبر أزمات النزوح والأزمات الإنسانية في العالم، فيما لا يزال القتال مستمراً في كردفان ودارفور والنيل الأزرق.

ومن الناحية السياسية، فإن استمرار الحرب أضعف معظم القوى المدنية التقليدية، بينما عزز نفوذ المؤسسات العسكرية والقوى المسلحة. لذلك فإن أي تسوية مستقبلية ستواجه سؤالاً جوهرياً: هل ستكون الأولوية لإنهاء الحرب فقط، أم لبناء نظام سياسي جديد يمنع عودة المؤسسة العسكرية والقوى المسلحة إلى إدارة الدولة؟

وهنا تكمن أهمية الضمانات التي أعلنها البرهان. فالضمانات القانونية والأمنية يمكن أن تشجع بعض المعارضين على المشاركة، لكنها لن تكون كافية إذا لم يقتنع المشاركون بأن الحوار مستقل فعلاً عن المؤسسة العسكرية.

كما أن استمرار القتال أثناء الحوار قد يضعف الثقة في المبادرة، لأن الأطراف المتحاربة قد تستخدم المفاوضات لتحسين مواقعها العسكرية والسياسية بدلاً من تقديم تنازلات حقيقية.

الحوار فرصة وليس اختراقا

ومع ذلك، فإن فتح مسار سياسي جديد يظل تطوراً مهماً، لأن استمرار الحرب وحده لا يقدم حلاً دائماً. وإذا نجحت القوى المدنية في انتزاع ضمانات حقيقية واستطاعت تشكيل حوار واسع لا يخضع لسيطرة طرف واحد، فقد تتحول المبادرة إلى بداية لمسار سياسي جاد.

أما إذا اقتصرت على قوى متحالفة مع الجيش أو استُخدمت لتوفير غطاء سياسي لاستمرار العمليات العسكرية، فإنها قد تزيد الانقسام وتؤجل التسوية بدلاً من تقريبها.

ومن هنا يمكن القول إن  إعلان البرهان يمثل فرصة سياسية، لكنه ليس بعدُ اختراقاً للسلام. الاختبار سيكون في من سيشارك، ومن سيدير الحوار، وما الذي سيحدث في الجبهات أثناء انعقاده، وهل يقبل الجيش والدعم السريع في النهاية بتسوية تتجاوز منطق الحسم العسكري.

 

اترك تعليقا