السودان وتشاد.. حدود على صفيح ساخن بعد رحيل إدريس ديبي

د. محمد حسن إمام يكتب

  • الخرطوم وإنجمينا بعد 2019: تحالفات مفقودة وحقول ألغام جيوسياسية

منذ اندلاع الثورة السودانية عام 2019، والانتقال إلى مرحلة ما بعد نظام البشير، دخلت العلاقات السودانية التشادية مرحلة جديدة تتسم بالتوتر الضمني والغموض الاستراتيجي. ففيما كانت العلاقات بين الخرطوم وإنجمينا في السابق محكومة باعتبارات أمنية مباشرة، أبرزها التنسيق ضد الجماعات المسلحة والمهربين على الحدود الطويلة بين البلدين، فإن المتغيرات الداخلية في كِلا العاصمتين غيّرت قواعد اللعبة.

فعلى الجانب السوداني، شكّل صعود قوى غير تقليدية مثل قوات الدعم السريع، وضعف الدولة المركزية بعد الثورة، عاملًا أربك المسار الأمني والدبلوماسي بين البلدين. وعلى الجانب التشادي، جاء مقتل الرئيس إدريس ديبي المفاجئ في أبريل 2021، ليدخل البلاد في مرحلة انتقالية هشة لم تكتمل ملامحها حتى الآن.

تسلّم نجله محمد إدريس ديبي الحكم ضمن مجلس عسكري انتقالي، لكن دون النفوذ الإقليمي أو الإرث القبلي والدولي الذي كان يتمتع به والده، وهو ما انعكس مباشرة على العلاقات مع السودان

رحيل إدريس ديبي: سقوط الضامن الإقليمي

كان إدريس ديبي أكثر من مجرد رئيس لتشاد؛ فقد كان حجر الزاوية في المعادلة الأمنية في الساحل والصحراء. من خلال تفاهمات مباشرة مع السودان وليبيا وفرنسا، شكّل شبكة نفوذ عابرة للحدود شملت دعم جماعات واحتواء أخرى، وتوازنات قبلية معقّدة. ورغم تحفظاته على نظام البشير، فقد كان شريكًا صامتًا في تأمين دارفور وحدود تشاد الشرقية. وقد أحدث رحيله فراغًا ليس فقط في تشاد، بل على كامل امتداد الحدود السودانية التشادية.

وقد تسلّم نجله محمد إدريس ديبي الحكم ضمن مجلس عسكري انتقالي، لكن دون النفوذ الإقليمي أو الإرث القبلي والدولي الذي كان يتمتع به والده، وهو ما انعكس مباشرة على العلاقات مع السودان، التي باتت تسير دون بوصلة سياسية واضحة، ومع غياب “القوات المشتركة” المكوّنة من الجيش التشادي والجيش السوداني، والتي كانت تشكّل عمود التهدئة الحدودي لعقدٍ كامل.

انهيار القوات المشتركة.. الحدود تنفجر من الداخل

القوات السودانية التشادية المشتركة، التي تشكّلت في 2010 بعد سنوات من التوترات العسكرية والدعم المتبادل للجماعات المتمردة، كانت نموذجًا أفريقيًا للتعاون الحدودي. لكن غياب الإرادة السياسية، وتغيّر المكونات داخل الجيشين، والانشغال بالحروب الداخلية، كلها عوامل قادت إلى تفكك هذا الجسم الأمني.

ومنذ أبريل 2023، ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت الحدود إلى مسارح مفتوحة لتهريب السلاح، وتنقّل المقاتلين، وتدفّق اللاجئين، بل وتبادل الرسائل غير المباشرة بين جهات إقليمية. تشاد، رغم إعلانها الحياد، باتت مركزًا لوجستيًا هامشيًا لبعض التحركات، في ظل اتهامات غير رسمية بوجود دعم قبلي ومالي لبعض الفصائل المتورطة في الحرب السودانية.

التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية تؤكد استخدام الحدود لتهريب الوقود والسلاح وحتى البشر. كما تُشير إلى نشاطٍ غير معلن لمليشيات تدّعي الحياد، لكنها مرتبطة بأطراف سودانية

سياق داخلي مأزوم في الخرطوم وإنجمينا

السودان يعيش واحدة من أعقد الحروب في تاريخه الحديث، حرب ليست فقط بين جيشين، بل بين رؤيتين للدولة ومراكز نفوذ محلية ودولية تتقاطع مصالحها على الأرض السودانية. ووسط هذا الركام، تعاني الحدود من انفلات خطير، تدفع ثمنه تشاد بواقعٍ إنساني متدهور، حيث تجاوز عدد اللاجئين السودانيين أكثر من مليون لاجئ، وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، معظمهم من دارفور.

أما في تشاد، فالمشهد ليس أقل تعقيدًا؛ إذ تعاني البلاد من هشاشة سياسية، واحتجاجات داخلية، وتأجيل متكرر للانتقال المدني. الجيش هو الحاكم الفعلي، لكن دون مشروع وطني متماسك. وفوق ذلك، هناك قلق متصاعد من تكرار سيناريو السودان على أراضيها، خاصة مع وجود جماعات معارضة مسلحة في الشمال، ونشاط متزايد للجريمة المنظمة.

الحدود.. خطوط نار أم ممرات نفوذ؟

لا تمثّل الحدود السودانية التشادية مجرد شريط جغرافي؛ بل هي شريان اقتصادي ومعبر جيوسياسي. ومنذ غياب القوات المشتركة، تحولت إلى ممرّات لمسلحين، وساحات لتصفية الحسابات القبلية، وميدان للتجاذب الدولي. والفشل في ضبط هذه الحدود يعني باختصار: تصدير الأزمة السودانية إلى تشاد، وربما إلى النيجر وأفريقيا الوسطى لاحقًا.

التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية تؤكد استخدام الحدود لتهريب الوقود والسلاح وحتى البشر. كما تُشير إلى نشاطٍ غير معلن لمليشيات تدّعي الحياد، لكنها مرتبطة بأطراف سودانية. وفي ظل هذا الوضع، تبدو الحدود أقرب إلى “صفيح ساخن” قابل للانفجار في أي لحظة.

العلاقات السودانية التشادية لم تعد مسألة دبلوماسية تقليدية، بل تحوّلت إلى قضية أمن قومي متشابكة الأطراف. غياب القوات المشتركة ليس مجرد فشل أمني، بل انعكاس لانهيار ثقة إستراتيجية بين بلدين يربطهما الدم والتاريخ والمصير

السياق الخارجي.. رياح دولية تهبّ من الساحل والصحراء

الفراغ الإقليمي الذي خلفه انسحاب فرنسا من الساحل، وتراجع أدوار قوات برخان، والنشاط الروسي المتزايد عبر مجموعة فاغنر (أو بدائلها)، كلها عوامل جعلت من تشاد نقطة ارتكاز في لعبة النفوذ الجديدة في وسط أفريقيا.

ووسط هذا الحشد الدولي، تبدو تشاد مطالبة باتخاذ موقف واضح تجاه ما يحدث في السودان، دون أن تمتلك أدوات التأثير الكاملة. ومن جهة أخرى، فإن صمت المنظمات الإقليمية كـ”الإيغاد” والاتحاد الأفريقي، وتباطؤ الأمم المتحدة في إعادة هيكلة المبادرات الحدودية، يجعل التدخل الدولي ضعيفًا ومتأخرًا، ما يسمح بنمو التحالفات غير الرسمية والتحركات الموازية التي تزيد النار اشتعالًا.

ماذا بعد؟ سيناريوهات المستقبل والخيارات الممكنة

في ظل هذا التعقيد، تبدو السيناريوهات مفتوحة على احتمالات ثلاث:

  • استمرار الانفلات: إذا استمرت الحرب في السودان، وتواصلت هشاشة تشاد، فإن الحدود ستظل مسرحًا لتهريب السلاح والمقاتلين، مع خطر انتقال الصراع إلى داخل تشاد.
  • إعادة تفعيل القوات المشتركة: ويتطلب هذا مبادرة إقليمية قوية، بغطاء أممي، وتفاهمًا بين الجيش السوداني والمجلس العسكري في تشاد، وهي فرضية ممكنة لكنها مشروطة بإعادة هيكلة الدور الأمني في البلدين.
  • تدويل الحدود: أي تدخل أممي مباشر، عبر مراقبة الحدود ببعثة حفظ سلام، أو دعم لوجستي عبر الاتحاد الأفريقي. لكن هذا الخيار يحتاج إلى إرادة دولية غير متوفرة حاليًا.

من حدود الجغرافيا إلى جبهات النار

العلاقات السودانية التشادية لم تعد مسألة دبلوماسية تقليدية، بل تحوّلت إلى قضية أمن قومي متشابكة الأطراف. غياب القوات المشتركة ليس مجرد فشل أمني، بل انعكاس لانهيار ثقة إستراتيجية بين بلدين يربطهما الدم والتاريخ والمصير.

وفي ظل ما يجري في السودان، وتردد تشاد، وتضارب الأجندات الإقليمية والدولية، فإن الحدود بين البلدين قد لا تعود مجرد خطوط على الخريطة، بل جبهات مفتوحة.. ما لم تُستعد السياسة والعقلانية في إدارة الأزمات.

# د. محمد حسن إمام