السرقة الأدبية: ما حدود توارد الخواطر؟

د. مدى الفاتح يكتب

في القرن الثامن عشر بدأ التنظير حول حقوق الملكية الأدبية والفكرية، وأهمية إيجاد ضوابط أدبية وقانونية لمنع التعدي، واليوم وبعد مرور أكثر من قرنين على ذلك ومع كل التقدم العلمي الذي نعيشه، فإن البشرية ما تزال بعيدة عن حفظ هذه الحقوق بشكل كامل، بل إن حفظها يمكن القول إنه ازداد تعقيدا.
حتى أواسط القرن الماضي كان من السهل على أساتذة الجامعات، أن يكتشفوا ما يقدم إليهم من بحوث غير أصيلة، أو منقولة عن كتب أخرى، أو دراسات سابقة، لكن مع ثورة المعلومات بنهاية القرن العشرين تغير كل شيء، حيث توسعت المصادر والمنابع، التي يمكن للطالب أن يستعير منها الأفكار، أو يقوم بنقلها بحذافيرها، من دون تعديل.
كان البحث عن الأصالة البحثية مهمة صعبة بالنسبة للمكلفين بها، فلم يعد الطالب منغلقا على ما يتوفر في المكتبات المحلية من مراجع، بل صار يستطيع الوصول إلى مكتبات عالمية كثيرة، وإلى الآلاف من الدراسات والبحوث السابقة، التي يمكن أن يقدمها، وكأنها بحث من ابتكاره، خاصة لو كان الأساتذة من الجيل القديم، الذين يصعب عليهم أن يتتبعوا روح البحث، أو أن يستنتجوا أنه مأخوذ من نصوص منشورة سابقة. في تلك الأجواء ظهر «بزنس» جديد تقوم به جهات أو أفراد ويتعلق بكتابة بحوث الماجستير، أو الدكتوراه بالنيابة عن الطالب، وبالاستعانة بوسائل البحث الحاسوبية، التي يمكن استخدامها من أجل تقديم موضوع، سبق أن تم تقديمه في جامعة في الشرق أو الغرب. في أحيان كثيرة يفلت الطالب، من دون أن يكشفه أحد، خاصة إذا كانت المناقشة غير دقيقة، مثلما يحدث في أغلب جامعات العالم الثالث، التي تتحول فيها جلسات الدفاع عن الأطروحة لمجرد لقاء مجاملة بروتوكولي.
في وقت لاحق، ولمحاصرة حالات الغش الأكاديمي، تمت الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات، من أجل ابتكار عدد من البرامج، التي يمكنها أن تكشف نسبة الاقتباس، ليتم تحديد نسب معينة، لا يُسمح للطالب أو الباحث بتجاوزها، وإلا سوف يتم رفض ما يقدمه على اعتبار أنه خالٍ من الأصالة. مشكلة هذه البرامج هي أنها كانت تنجح في تعقب النصوص المنقولة بحذافيرها، لكن في حالات أخرى، حين يعمد الكاتب لاستلهام أفكار، أو أخذ روح النص وإعادة التعبير عنه بكلمات من تعبيره، أو إذا ما كان قام بترجمة النص من لغة أخرى مثلا، فإن أغلب تلك البرامج كانت تفشل في الإشارة إلى كون هذا النص منحولا. ليس أدل على موضوع صعوبة التفريق بين الأصيل و»المسروق» من قصة كلودين غاي رئيسة جامعة هارفارد، التي تم اتهامها بتهمة الخداع الأكاديمي لاستخدامها مصادر في رسالتها ومقالاتها العلمية، من دون الإشارة إليها أو توضيح الإحالة. صحيح أن تلك القصة كانت محل توظيف سياسي تعلق آنذاك بموقف غاي الأمريكية السوداء، من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، لكن في النهاية فإن الإدارة الأكاديمية، التي كانت متعاطفة معها، لم تستطع تبرئتها بشكل كامل، حيث ظلت ملامة ومتهمة بأخذ بعض الأفكار، من دون إشارة لأصحابها، وهي تهمة فضفاضة، لدرجة أن من الممكن أن توجه لأي باحث أو كاتب، حتى أولئك الذين يظنون أنهم يقدمون قراءات أو تحليلا أصيلا.

يمكن للذكاء الصناعي أن يوفر وقت الباحث الجاد، فبدلا من أن يعمد للترجمة عبر القواميس التقليدية، أو عبر «غوغل»، لكن المشكلة حينما يعطل المرء عقله مستسلما لخلاصات لا يساهم هو فيها بأي قدر

من القصص الطريفة في سياق السرقات الأدبية هذه، ما حدث في عام 2007، حيث تم تقديم فصول من رواية جين أوستن الشهيرة «كبرياء وتحامل»، مع تغييرات بسيطة، إلى 18 ناشرا كرواية جديدة بعنوان «الانطباعات الأولى». حينها، وعلى الرغم من شهرة القصة، إلا أن ناشرا واحدا فقط اعتبر أن في النص بعض الانتحال. هذه القصة على ما فيها من طرافة، تصلح لشرح حجم الأزمة، فإذا كان هذا هو الحال مع جين أوستن الروائية البريطانية ذات المكانة المعروفة وروايتها، التي ترجمت لكثير من لغات العالم، وأعيد إنتاجها كأفلام وأعمال فنية في أكثر من بلد، فلك أن تتخيل حال المنتحلين، الذين يختارون أعمالا أقل شهرة، أو كتابا محدودي الانتشار كهدف لسرقاتهم. ومع آليات الذكاء الصناعي وبرامج البحث والتحليل العميق أضحى التحكم في المنتوج العلمي أو الأدبي أصعب. الأمر لا يتعلق بتقديم البحوث والمقالات العلمية فقط، وإنما يشمل العملية التعليمية نفسها. الآليات الحديثة تسهل الحصول على المعلومة لدرجة تجعل الكثير من الطلاب زاهدين في القراءة وفي البحث، فمن أجل الحصول على فوائد كتاب معين لا يحتاج الباحث لأن يسهر الليالي من أجل أن يمر على كل الصفحات بتمعن وتركيز، بل يكفي أن يسأل «شات جي بي تي» مثلا عن ملخص الكتاب والكتب المشابهة، التي تناولت الموضوع، ليحصل على ملخص وافٍ كان يحتاج في السابق لأيام من الاعتكاف.
يمكن للذكاء الصناعي أن يوفر وقت الباحث الجاد، فبدلا من أن يعمد للترجمة عبر القواميس التقليدية، أو حتى عبر ترجمة «غوغل» يمكنه أن يحصل على عصارات مقالات وأبحاث بلغات مختلفة في وقت قصير، ليس هناك بأس في الاطلاع على كل ذلك والاستفادة منه، لكن المشكلة تظهر حينما يعطل المرء عقله بشكل كامل، مستسلما لخلاصات لا يساهم هو فيها بأي قدر.
الأكاديمي الأمريكي روجر كروز ناقش هذا الموضوع في كتابه الصادر بداية هذا العام، «متشابه بشكل باهر». حاول أستاذ علم النفس في جامعة ممفيس في كتابه، أن يتتبع عبر القرون الكثير من حالات السرقات الأدبية، التي شملت المسرحيات الموسيقية والأدب، كما أكد في كتابه المعلومة المحورية، التي تشرح أصل المشكلة، وهي أنه لا يوجد تعريف متفق عليه للسرقات الأدبية. بجانب استشهاده بتجارب مهمة، كقصة الروائي تشارلز ديكنز ومحاولته حمايته حقوقه عبر رفع دعاوى قضائية ضد الناشرين، الذين أنتجوا نسخا مقلدة من كتبه، يذكر كروز تناقضات واقعية من قبيل أن بعض الجامعات تستعين ببرامج الذكاء الصناعي لمعرفة ما إذا كانت بعض النصوص مكتوبة بالذكاء الصناعي، في حين يستعين طلاب في المقابل ببرامج أخرى تجعل اكتشاف استعانتهم بتطبيقات بحثية صعبا. اهتمّ كروز في كتابه بالتعقيدات، التي أضافها الذكاء الصناعي، فيقول إن طريقة عمل هذه التطبيقات تعتمد على المساعدة على الكتابة من خلال الاستناد إلى آلاف المراجع الموجودة أصلا مع إشارات غير ملزمة لها، بالإضافة إلى ما تقوم به هذه التطبيقات من خروقات أخرى للملكية الفكرية، من خلال توفير الكتب والمنشورات وإتاحتها بشكل مجاني للعامة. لكروز آراء قد لا تكون محل إجماع من بينها قوله، إن الاستعانة بـ»شات جي بي تي» ليست سرقة، لأنه لا يقوم بصياغة النصوص اعتمادا على نص واحد، بل على مجموعة نصوص. سوف يكون ذلك خبرا جيدا للكسالى من الكتاب، خاصة من الأجيال الجديدة، التي باتت تلجأ بإفراط لبرامج الذكاء الصناعي المختلفة، التي توفر نصوصا ومقالات مكتوبة بشكل أنيق، لكنه خال من الروح.
الحقيقة، التي يجب الاعتراف بها، هي أن النقل عن «شات جي بي تي» هو سرقة مزدوجة، حيث ينقل هذا البرنامج عن عدة مصادر توفرت له ويقدمها كخلاصات، في ما يقوم الكاتب الكسول بأخذ هذه الخلاصات كما هي دون أن يشير بطبيعة الحال لمصدر حصوله عليها.

القدس العربي