الرقابة النووية تتوسع في السعودية
طموح تقني ومخاوف من الانتشار
- السيد التيجاني
- 8 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد
- الرقابة النووية, الرياض, السعودية, الوكالة الدولية للطاقة الذرية
تدخل السعودية مرحلة مفصلية في مسار برنامجها النووي المدني، مع توجهها إلى منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات رقابية أوسع، في إطار ترتيبات جديدة مرتبطة باتفاق التعاون النووي الذي وقعته الرياض وواشنطن في يوليو الماضي. ولا تبدو الخطوة مجرد إجراء فني يتعلق بالتفتيش والضمانات، بل جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع تجمع بين الطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد والأمن الإقليمي ومستقبل العلاقات السعودية الأميركية.
وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في 7 سبتمبر إن السعودية تستعد لقبول ترتيبات تمنح الوكالة قدرات أكبر على التحقق من أنشطتها النووية، بما يشمل رقابة على عمليات حساسة مثل تحويل اليورانيوم والتخصيب وإعادة المعالجة.
وأكد أن الإجراءات التي يجري بحثها تتجاوز الالتزامات الأساسية المفروضة بموجب اتفاق الضمانات الشامل، رغم أن الرياض لم توافق حتى الآن على الانضمام إلى البروتوكول الإضافي بصيغته التقليدية.
بين التنمية والرقابة
أهمية التطور الجديد تنبع من طبيعة البرنامج السعودي نفسه. فالرياض لا تخفي طموحها إلى بناء قطاع نووي مدني قادر على المساهمة في تنويع مصادر الطاقة ودعم التحول الصناعي والتكنولوجي، ضمن رؤية أوسع لتقليل الاعتماد الداخلي على النفط.
ويشير الباحث والدبلوماسي الأميركي السابق مايكل راتني، في تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن الطاقة النووية تمثل خياراً منطقياً للسعودية التي تستهلك كميات كبيرة من النفط في إنتاج الكهرباء، في وقت تسعى فيه إلى توجيه المزيد من الخام نحو التصدير والأنشطة ذات القيمة الاقتصادية الأعلى.
كما يرى أن البرنامج النووي ينسجم مع خطط المملكة لتنويع الاقتصاد ومصادر الطاقة إلى جانب الشمس والرياح، بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية
لكن الانتقال من امتلاك مفاعلات للطاقة إلى تطوير دورة وقود نووي أكثر تقدماً يفتح الباب أمام أسئلة سياسية وأمنية أكثر حساسية.
فتقنيات تخصيب اليورانيوم، رغم استخدامها المشروع في إنتاج وقود المفاعلات، تُعد من أكثر مراحل الصناعة النووية حساسية من منظور منع الانتشار، لأنها يمكن أن تمنح الدولة، نظرياً، قدرات علمية وصناعية قابلة للتطوير مستقبلاً لأغراض عسكرية إذا تغير القرار السياسي.
وهنا يصبح التحدي السعودي مزدوجاً: بناء قدرات نووية متقدمة من جهة، والحفاظ على ثقة المجتمع الدولي في الطابع المدني للبرنامج من جهة أخرى.
غروسي: رقابة أوسع خارج الصيغة التقليدية
يحاول رافائيل غروسي تقديم مقاربة مختلفة عن الجدل التقليدي حول البروتوكول الإضافي. فالرجل يرى أن معيار قوة الرقابة لا يتعلق فقط باسم الاتفاق، وإنما بالقدرات الفعلية التي يمتلكها المفتشون للوصول إلى المعلومات والمواقع والأنشطة الحساسة.
وبحسب غروسي، فإن الترتيبات التي يجري التفاوض بشأنها مع السعودية يمكن أن تمنح الوكالة أدوات تحقق مهمة، حتى من دون اعتماد البروتوكول الإضافي كاملاً. ومن المنتظر أن تُحال الترتيبات النهائية إلى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، المؤلف من 35 دولة، للنظر فيها، وفقا لرويتر.
غير أن هذه المقاربة تواجه تشكيكاً من خبراء ومنظمات منع الانتشار.
فكيسي دافنبورت، مديرة سياسة منع الانتشار في جمعية الحد من الأسلحة، ترى أن الاتفاق الأميركي السعودي يفتح الباب أمام تخصيب اليورانيوم من دون اعتماد ما تعتبره المؤسسات المتخصصة أقوى آلية دولية للتحقق، وهي البروتوكول الإضافي. وتؤكد أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود ضمانات، بل بمدى شمولها وقدرتها على كشف الأنشطة غير المعلنة.
جدل الخبراء حول «النموذج السعودي»
الخبير الأميركي توماس كانتريمان، الرئيس السابق لمجلس إدارة جمعية الحد من الأسلحة والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن التخلي عن اشتراط البروتوكول الإضافي يمثل تراجعاً عن معايير أميركية طويلة الأمد في التعاون النووي.
ويرى كانتريمان أن منح السعودية الحق في تطوير أنشطة تخصيب وإعادة معالجة، من دون تطبيق أعلى مستويات الرقابة التقليدية، قد يخلق سابقة لدول أخرى تطالب مستقبلاً بامتيازات مماثلة.
وتتقاطع هذه المخاوف مع تقييم الباحثين جين داربي مينتون وأندرو ليبر من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، اللذين أشارا إلى أن الاتفاق يمثل تحولاً مهماً في السياسة النووية الأميركية، خصوصاً أنه لا يفرض على الرياض التخلي بصورة قاطعة عن أنشطة دورة الوقود الحساسة مثل التخصيب وإعادة المعالجة. ويرى الباحثان أن غموض بعض تفاصيل الاتفاق يزيد من أهمية مراقبة ترتيبات التنفيذ الفعلية.، بحسب كارنيجي للسلام الدولي.
أما الخبيرة إيرين دومباخر، المتخصصة في الأمن النووي بمجلس العلاقات الخارجية، فترى أن القضية الأساسية تتجاوز الاتفاق السعودي نفسه، لأنها تتعلق بالسابقة التي يمكن أن يخلقها في النظام الدولي لمنع الانتشار، خاصة في منطقة عرفت برامج نووية سرية ومنافسات استراتيجية طويلة، وفق ما ذكره مجلس العلاقات الخارجية.
واشنطن بين المكاسب والمخاطر
من وجهة النظر الأميركية، يحمل التعاون النووي مع السعودية مكاسب استراتيجية واضحة.
فالاتفاق يفتح سوقاً ضخمة أمام الشركات الأميركية العاملة في التكنولوجيا النووية، ويمنح الولايات المتحدة فرصة للحفاظ على دور مركزي في برنامج سعودي كان يمكن أن يجذب أيضاً مورّدين من روسيا أو الصين.
وأكدت وزارة الطاقة الأميركية أن اتفاق التعاون، المعروف باسم اتفاق «123»، يضع الأساس لشراكة تمتد لعقود وتفتح المجال أمام الشركات والصناعات الأميركية للمشاركة في البرنامج النووي السعودي، بالتوازي مع أهداف عدم الانتشار.
لكن واشنطن تواجه في الوقت نفسه معضلة حقيقية: كيف تسمح لشريك استراتيجي بتطوير قدرات نووية متقدمة، مع ضمان عدم تحول هذه القدرات مستقبلاً إلى مصدر قلق أمني؟
ويشير تحليل المجلس الأطلسي إلى أن أحد المكاسب الاستراتيجية للاتفاق هو تعزيز الموقع الأميركي في السوق النووية السعودية في مواجهة المنافسة الروسية والصينية، لكن الخبراء المشاركين في التحليل شددوا في الوقت نفسه على أن التفاصيل المتعلقة بالتخصيب والضمانات ستظل العامل الحاسم في تقييم الاتفاق.
التخصيب.. العقدة الأصعب
تبقى مسألة تخصيب اليورانيوم التحدي الأكثر حساسية.
فالاتفاق الأميركي السعودي يتيح مساراً محتملاً للتخصيب، لكن تفاصيل كيفية تنفيذ ذلك ما زالت محلاً للجدل. وتشير تحليلات حديثة إلى احتمال إنشاء منشأة تعمل بنظام تقني محدود الوصول، بهدف منع انتقال المعرفة الحساسة المتعلقة بأجهزة الطرد المركزي بشكل كامل إلى الجانب السعودي.
لكن دافنبورت وخبراء آخرين يشككون في أن الحلول التقنية وحدها يمكن أن تحل المشكلة السياسية طويلة المدى. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، ليست فقط في التكنولوجيا المتاحة اليوم، وإنما في القدرات التي يمكن أن تتراكم بمرور الزمن وفي تغير الظروف السياسية والأمنية مستقبلاً.
كما أثارت تقارير حديثة جدلاً حول مستويات التخصيب المحتملة، بما في ذلك إمكانية وجود مسار يصل إلى مستويات أعلى من الاستخدام التقليدي لمحطات الطاقة، وهو ما زاد مخاوف دوائر منع الانتشار بشأن ضرورة الكشف الكامل عن الترتيبات النهائية، بحسب وول ستريت جورنال
التحديات أمام البرنامج السعودي
تواجه السعودية مجموعة من التحديات خلال المرحلة المقبلة، أبرزها:
أولاً: تحدي الثقة الدولية. إذ يتطلب بناء برنامج نووي متقدم درجة عالية من الشفافية، خاصة في منطقة تشهد توترات وصراعات مرتبطة بالملف النووي.
ثانياً: تحدي البنية البشرية والتقنية. فبناء قطاع نووي لا يقتصر على شراء المفاعلات، بل يحتاج إلى كوادر هندسية وعلمية ومؤسسات رقابية وسلاسل إمداد محلية.
ثالثاً: تحدي الاقتصاد. فالمشروعات النووية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وفترات طويلة للبناء والتشغيل، ما يفرض حسابات دقيقة بين كلفة الطاقة النووية والبدائل المتجددة.
رابعاً: تحدي التخصيب. وهو الملف الذي سيحدد إلى حد بعيد مستوى القبول الدولي بالبرنامج السعودي.
خامساً: تحدي البيئة الإقليمية. فأي توسع في القدرات النووية السعودية سيُقرأ في طهران وتل أبيب والعواصم الإقليمية الأخرى باعتباره جزءاً من التحولات في ميزان القوة بالشرق الأوسط.
مرحلة جديدة
ما يجري اليوم يشير إلى أن السعودية تحاول بناء نموذج خاص بها: برنامج نووي مدني مرتبط بالتنمية الصناعية والتكنولوجية، مع قبول مستوى أوسع من الرقابة الدولية لتخفيف المخاوف الأمنية.
والنجاح في تحقيق هذا التوازن سيكون الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.
فإذا تمكنت الرياض من تطوير قدراتها النووية ضمن منظومة تحقق مقنعة وشفافة، فقد تتحول إلى نموذج عربي جديد في استخدام الطاقة النووية لأغراض التنمية والتصنيع. أما إذا بقيت تفاصيل التخصيب والرقابة غامضة، فإن البرنامج سيظل عرضة للجدل والضغوط السياسية.
وبين طموح اقتصادي سعودي، ومصالح استراتيجية أميركية، ومخاوف خبراء منع الانتشار، تبدو الرقابة النووية اليوم أكثر من مجرد مسألة فنية. إنها جزء من صفقة أكبر ترسم ملامح موقع السعودية في اقتصاد المستقبل، وفي التنافس الدولي على التكنولوجيا، وفي معادلات الأمن الإقليمي.