الدعوة بالحوار نماذج ناجحة في عالم متغير
دعاة العصر الرقمي عندما يلتقي التراث بالتكنولوجيا
- dr-naga
- 4 أبريل، 2026
- أخبار الأمة الإسلامية, تقارير
- التراث, التكنولوجيا, خطاب الكراهية, دعاة العصر الرقمي, منصات
في زمن يتصاعد فيه خطاب الكراهية والاستقطاب، تبرز نماذج إسلامية رائدة تختار الحوار منهجا، والانفتاح سبيلا، والعقلانية أداة لفهم الآخر والتعريف بالإسلام. هذا التقرير يستعرض مبادرات المساجد والمراكز الإسلامية التي تتبنى الحوار المفتوح مع غير المسلمين، ويقدم شهادات حية لدعاة مسلمين يستخدمون اللغة المحلية ووسائل التواصل الحديثة في تقديم رسالة الإسلام، مستندا إلى وقائع ميدانية وتصريحات خبراء.
أولا مبادرات الأبواب المفتوحة حين يصبح المسجد فضاء للحوار
في بريطانيا، انطلقت مبادرة زر مسجدي منذ عام 2015، لتفتح أبواب أكثر من مائتين وخمسين مسجدا أمام الزوار من جميع المعتقدات، بهدف تعزيز الحوار بين الأديان وتصحيح الصور النمطية.
وفي تعليقه على هذه المبادرة، قال الأمين العام لمجلس مسلمي بريطانيا هارون خان رغم استمرار وجود أولئك الذين يزرعون الكراهية والفرقة في مجتمعنا، أظهر المسلمون اليوم في عموم بريطانيا أنه رغم أفعالهم، لكننا مستمرون في القيام بعكس ما يفعلون من خلال بناء الجسور وتوحيد المجتمعات.
وتشارك في هذه الفعالية مساجد لندن وبرمنجهام ومانشستر وليدز وجلاسجو وكارديف وبلفاست، حيث يتم إشراك الزوار في أنشطة تهدف إلى توسيع معرفتهم بالإسلام والمسلمين ومقاصد المساجد.
وفي جمعية كينغستون الإسلامية في جنوب غرب لندن، عُقدت جولات تعريفية داخل المسجد، وعُرضت نماذج من الفنون الإسلامية والنصوص الدينية. وقال جيرمي، وهو بريطاني غير مسلم ومنخرط بنشاط مع المجتمع المسلم أنا أحضر يوم الافتتاح كل عام، وفي كل عام أتعلم شيئا جديدا.
وفي السياق ذاته، تؤكد تقارير أن المساجد في المجتمعات التعددية مثل بريطانيا تهدف إلى أداء أدوار متعددة الأوجه، من خلال توفير أماكن للعبادة للمؤمنين، فضلا عن الدعم الاجتماعي والبرامج التعليمية وأنشطة التوعية المختلفة. وتعمل هذه المساجد كمنصات للحوار بين الأديان، وتعزيز التفاهم والتعاون بين مختلف المجتمعات الدينية وغير الدينية حتى يتمكنوا من العيش في وئام.
ثانيا منصات الحوار الإقليمية تجربة مركز الملك عبدالله للحوار
أطلق مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي في فبراير 2018، لتكون مظلة إقليمية تعمل من خلالها القيادات الدينية ونشطاء الحوار على تطوير برامج تدعم مسيرة الحوار وبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وتندرج تحت أعمال هذه المنصة برامج بناء قدرات في مختلف المجالات، منها برنامج وسائل التواصل الاجتماعي كمساحة للحوار، وبرنامج الزمالة العربية تحت رعاية شبكة الكليات والمعاهد الدينية الإسلامية والمسيحية في العالم العربي، والذي يهدف لتنمية قدرات المعلمين والفاعلين في مجال تعزيز تعليم ثقافة الحوار بين أتباع الأديان والثقافات.
وقال الدكتور فيصل بن معمر، الأمين العام للمركز، في تصريحات سابقة إن الحوار بين أتباع الأديان ليس ترفا فكريا، بل ضرورة إنسانية في عالم يتسم بالتداخل الثقافي والديني، وإن المنصة تهدف إلى تمكين القيادات الدينية من لعب دور فعال في مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز قيم المواطنة المشتركة.
ثالثا دعاة العصر الرقمي عندما يلتقي التراث بالتكنولوجيا
في عالم يتسم بالتحول الرقمي، برز جيل جديد من الدعاة المسلمين الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي واللغات المحلية لتقديم الإسلام بصورة عصرية ومقنعة. ومن أبرز هذه النماذج الشيخ ياسر قاضي في الولايات المتحدة، الذي يستخدم اليوتيوب والإنستغرام لتقديم دروس قصيرة باللغة الإنجليزية تجمع بين العمق الشرعي والبساطة الأسلوبية، مستهدفا الشباب المسلم في الغرب وغير المسلمين المهتمين بالتعرف على الإسلام.
رابعا نماذج محلية حوار من الأرض وليس من السماء
في جنوب أفريقيا، يبرز نموذج مسجد كليرمونت في كيب تاون، الذي ينظم شهريا لقاءات حوارية مفتوحة مع قادة من الديانات المختلفة، تتناول قضايا مشتركة مثل الفقر والعدالة الاجتماعية والبيئة. ويقول الإمام عبد الرحمن محمد، إمام المسجد نحن لا ندعو الناس للإسلام بالكلام، بل نعيش الإسلام بالعمل، والحوار هو جسر نصل من خلاله إلى قلوب الناس قبل عقولهم.
وفي إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان، تتبنى منظمة نهضة العلماء، أكبر منظمة إسلامية في البلاد، منهج الوسطية والحوار كجزء من هويتها. وتنظم المنظمة مؤتمرات سنوية للحوار بين الأديان تجمع علماء مسلمين ومسيحيين وهندوس وبوذيين لمناقشة سبل التعايش السلمي.
وفي الأردن، يعمل المركز الأردني لبحوث التعايش بين الأديان، وهو منظمة غير حكومية مقرها عمان، على تعزيز الحوار الديني السلمي من خلال برامج تعليمية وبحثية تجمع بين الأكاديميين والقادة الدينيين من مختلف الخلفيات.
خامسا دروس من التجربة ما الذي يجعل الحوار ناجحا
من خلال استقراء النماذج الناجحة، يمكن تحديد عدة عوامل مشتركة تسهم في نجاح مبادرات الحوار
أولا الصدق في النية والشفافية في الطرح. فالحوار لا ينجح إذا كان يهدف للتغلب على الآخر أو إثبات التفوق، بل يجب أن ينبع من رغبة حقيقية في الفهم المتبادل.
ثانيا احترام الخصوصيات والابتعاد عن التجريح. فكل طرف يحترم معتقدات الآخر ويبتعد عن السخرية أو التشويه يخلق بيئة آمنة للحوار البناء.
ثالثا التركيز على المشتركات قبل المختلفات. فالقيم الإنسانية المشتركة مثل العدل والرحمة والصدق تشكل أرضية صلبة للحوار.
رابعا استخدام لغة العصر ووسائله. فالدعوة بالحوار في القرن الحادي والعشرين تتطلب إتقان أدوات التواصل الحديثة وفهم ثقافات الأجيال الجديدة.
خامسا الربط بين القول والعمل. فالحوار الناجح لا يقتصر على الكلمات، بل يترجم إلى مبادرات عملية تخدم المجتمع وتلمس حاجات الناس.
سادسا التحديات وآفاق المستقبل
رغم النجاحات التي حققتها هذه المبادرات، إلا أنها تواجه تحديات حقيقية، منها تصاعد خطاب الإسلاموفوبيا في بعض المجتمعات الغربية، وصعوبة التمييز بين الحوار الحقيقي ومحاولات التطبيع مع سياسات ظالمة، وتحدي الحفاظ على الهوية الإسلامية في ظل الانفتاح الثقافي.
لكن الآفاق تبقى واعدة، خاصة مع تزايد وعي الشباب المسلم بأهمية الحوار كوسيلة للدعوة، ومع تزايد اهتمام المؤسسات الدينية الرسمية بدعم هذه الجهود. كما أن التطور التكنولوجي يفتح آفاقا جديدة للوصول إلى جماهير أوسع بطرق أكثر إبداعا وتأثيرا.
خاتمة
الدعوة بالحوار ليست تنازلا عن المبادئ، بل هي حكمة في توصيلها. والنماذج الناجحة التي استعرضناها تثبت أن الإسلام يمكن أن يُفهم ويُقبل عندما يُقدَّم بلغة العقل والقلب، وبأسلوب يحترم كرامة الإنسان ويخاطب فطرته السليمة.
إن مستقبل الدعوة الإسلامية في عالم متغير رهين بقدرتنا على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في الأسلوب. والحوار، عندما يكون صادقا ومحكما، ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حضارية وأمانة دعوية.
كما قال الله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.
تم إعداد هذا التقرير استنادا إلى تقارير ميدانية، وتصريحات قيادات دينية، وتحليلات مراكز دراسات متخصصة في الحوار بين الأديان، ومراجعات لمبادرات إسلامية ناجحة في مختلف أنحاء العالم. وهو يعكس رؤية عملية قابلة للتطوير والتطبيق في سياقات ثقافية متنوعة.والذكاء الاصطناعي