الإسلام الرقمي: كيف تعيد منصات التواصل تشكيل الدعوة الإسلامية عالمياً؟ 

آليات نشر الدعوة الإسلامية وتعزيز الهوية الدينية

في عصر يتسم بالترابط الافتراضي المتسارع، برز ما يُصطلح عليه بـ الإسلام الرقمي كظاهرة تحويلية تعيد صياغة آليات نشر الدعوة الإسلامية، وتعزيز الهوية الدينية، وتنسيق الجهود المجتمعية عبر فضاءات التواصل الاجتماعي. وتشير إحصاءات حديثة صادرة عن مركز بيو للأبحاث ومؤسسات أبحاث الإعلام الرقمي إلى أن أكثر من مئتي مليون مسلم حول العالم يستخدمون المنصات الرقمية بانتظام للمحتوى الديني، مما يحول الفضاء الافتراضي إلى ساحة رئيسية للدعوة والحوار والتضامن العابر للحدود.

دراسة استطلاعية

على صعيد نشر الإسلام بين الغربيين، أظهرت دراسة استطلاعية أجراها مركز بيو عام 2025 أن نحو 34 في المئة من غير المسلمين في أوروبا وأمريكا الشمالية الذين ابدوا اهتماماً بالإسلام تعرفوا على مبادئه أولاً عبر منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام. وسجلت القناة التعليمية الإسلامية الرائدة على يوتيوب أكثر من خمسة مليارات مشاهدة لمقاطع تشرح العقائد والعبادات بلغة مبسطة، بينما حصد وسم إسلام على تيك توك أكثر من اثني عشر مليار مشاهدة منذ إطلاق المنصة، مع زيادة سنوية في معدل التفاعل بنسبة 28 في المئة بين عامي 2023 و2025. وتشير تقديرات منظمات الدعوة المعتمدة إلى أن حوالي خمسة عشر ألف شخص في الغرب اعتنقوا الإسلام خلال العامين الماضيين بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة تعرضهم لمحتوى إسلامي رقمي موثوق، وفقاً لتقارير صادرة عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

المنصات والتحول الرقمي

أما على مستوى الدعوة بين المسلمين أنفسهم، فقد تحولت المنصات إلى مكتبات دينية متنصلة ومراكز تعليمية افتراضية. ويضم يوتيوب حالياً أكثر من نصف مليون قناة إسلامية نشطة تقدم دروساً وخطباً وترجمات للقرآن الكريم، بمعدل تحميل يتجاوز مليوني مقطع يومياً. وتُظهر بيانات تحليلية لمنصة إكس أن الوسم الخاص بالإسلام هو الأكثر انتشاراً في المناسبات الدينية، حيث يُنشر أكثر من ثلاثمائة ألف منشور يومياً خلال شهر رمضان المبارك وحده. كما نشأت مجتمعات افتراضية منظمة على فيسبوك تضم ملايين الأعضاء، مثل مجموعة تواصل الأمة الإسلامية التي يبلغ عدد أعضائها 4.2 مليون عضو، وتُستخدم لمناقشة القضايا الفقهية المعاصرة وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي. وتشير دراسة أكاديمية من جامعة القاهرة إلى أن 72 في المئة من الشباب المسلم في المنطقة العربية يعتمدون على المنصات الرقمية كمرجع أولي للاستفتاء في المسائل الدينية اليومية.

لم تقتصر هذه المنصات على الجانب التعليمي، بل أصبحت وسائط حيوية للتعبير عن واقع المسلمين ومكافحة الصور النمطية والإسلاموفوبيا. وخلال الأزمات التي تستهدف الجاليات الإسلامية، تتصدر وسوم داعمة للمسلمين قوائم الترند عالمياً، بحشد تفاعل يصل إلى خمسين مليون مشاركة في الأسابيع الأولى من كل حادثة كبرى. وقد ساهمت حملات رقمية منسقة في جمع أكثر من ثمانين مليون دولار لدعم ضحايا الهجمات المعادية للمسلمين في أمريكا وأوروبا بين عامي 2022 و2025، وفقاً لبيانات منصات التمويل الجماعي. كما تُستخدم المنصات لتوثيق الانتهاكات ونشر الشهادات المباشرة، مما يعزز الوعي العام ويخلق ضغطاً مجتمعياً على صنّاع القرار لتعديل السياسات التمييزية.

شبكات عابرة للحدود

على صعيد دعم التواصل وتنسيق الجهود الدعوية والاجتماعية، مكّنت المنصات الرقمية من خلق شبكات تعاون عابرة للحدود بكفاءة غير مسبوقة. وتُستخدم مجموعات التراسل الفوري المنظمة من قبل الهيئات الإسلامية المعتمدة لتنسيق جهود الإغاثة خلال الكوارث والأزمات الإنسانية، حيث تم توزيع مساعدات على أكثر من مليون مستفيد في مناطق النزاع خلال عام 2024 عبر منصات تمويل جماعي مرتبطة بتطبيقات المراسلة. كما سهلت أدوات المؤتمرات الافتراضية انعقاد تجمعات علمية ودعوية حضرها آلاف العلماء والدعاة سنوياً، مما خفض تكاليف السفر واللوجستيات بنسبة 60 في المئة مقارنة بالفعاليات التقليدية. وتُظهر بيانات منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية أن 45 في المئة من إجمالي تبرعاتها لعام 2025 جاءت عبر حملات رقمية موجهة على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يعكس تحولاً جذرياً في آليات حشد الموارد.

التحديات

رغم هذه الإنجازات النوعية، يواجه الإسلام الرقمي تحديات جسيمة تستدعي اليقظة والتعامل المهني. فتشير تقارير من معهد ستراثمور للدراسات الرقمية إلى أن 22 في المئة من المحتوى الإسلامي المتداول على المنصات الكبرى يحتوي على معلومات غير دقيقة أو تفسيرات متطرفة، مما يستدعي جهوداً رقابية مستمرة من العلماء والمؤسسات الموثوقة لضمان سلامة التلقي. كما تخضع الحسابات الإسلامية أحياناً لسياسات رقابة خوارزمية متشددة، حيث أُزيل أكثر من خمسين ألف حساب وخمسة عشر مليون منشور بين عامي 2020 و2025 بموجب أنظمة التصفية التلقائية، وفقاً لتقارير الشفافية الصادرة عن شركات المنصات الكبرى. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال الفجوة الرقمية تحرم ملايين المسلمين في المناطق النائية والنامية من الوصول العادل إلى هذه الموارد، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاتصال وضعف البنية التحتية التقنية في بعض الدول الإسلامية، مما يهدد بخلق تفاوت في المعرفة الدينية بين الأجيال والمناطق الجغرافية.

التعاون المؤسسي

يُعد الإسلام الرقمي ظاهرة دينامية تعكس تكيف الدعوة الإسلامية مع متطلبات العصر، وتوفر أدوات غير مسبوقة للوصول والحوار والتضامن الإنساني. ومع ذلك، يتطلب استمرار تأثيرها الإيجابي تعاوناً مؤسسياً بين العلماء والمطورين ومنصات التواصل لضمان دقة المحتوى وحماية المستخدمين من التضليل، فضلاً عن استثمارات جادة في البنية التحتية الرقمية لتحقيق الشمولية المعرفية. وكما أكد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في تصريحاته لعام 2024، فإن الفضاء الرقمي أمانة يجب توظيفها لنشر السلام والفهم المتبادل، بعيداً عن التشويه أو الاستقطاب الطائفي. ومع تزايد الاعتماد على هذه المنصات، يظل التحدي الأكبر هو الموازنة بين حرية التعبير الرقمي والمسؤولية الشرعية والأخلاقية، لضمان أن يظل الإسلام الرقمي جسراً للتواصل الإنساني البناء وساحة للتعريف الحقيقي بالإسلام وسماحته.