الجيش الإريتري في مواجهة الجيش الإثيوبي عناصر القوة والضعف

التوتر العسكري بين البلدين يضع القرن الإفريقي أمام احتمال مواجهة مفتوحة

الرائد- تضع عودة التوتر العسكري بين إريتريا وإثيوبيا منطقة القرن الإفريقي أمام احتمال مواجهة جديدة، قد تتجاوز الخلافات الحدودية لتطال أمن البحر الأحمر وتوازنات القوى الإقليمية.
وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع الجيش الإريتري، رغم محدودية موارد بلاده، خوض مواجهة طويلة مع الجيش الإثيوبي الأكبر من حيث السكان والقدرات العسكرية المتاحة؟

تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة. فقد اتهمت أديس أبابا أسمرة بإرسال قوات إلى إقليم تيغراي الإثيوبي، بينما نفت إريتريا الاتهامات واعتبرتها تمهيدًا لتبرير عمل عسكري ضدها. وفي المقابل، تقدمت القوات الإثيوبية إلى بلدة زالامبيسا الحدودية، وسط تحركات دبلوماسية لتجنب اتساع المواجهة.

وفي 10 أكتوبر، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى وقف القتال المتجدد في شمال إثيوبيا، معربًا عن قلق بالغ إزاء التقارير عن وجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية.

لا يكفي التفوق الإثيوبي في الحجم والقدرات الجوية المحتملة للحسم بأن أديس أبابا ستنتصر في حرب شاملة، كما لا يكفي امتلاك إريتريا قوة برية كبيرة قياسًا بعدد سكانها للقول إنها تستطيع مجاراة إثيوبيا في حرب استنزاف طويلة. فالحصيلة ستتأثر بجاهزية القوات، وقدرة كل طرف على الإمداد والتعبئة، وطبيعة العمليات، والمواقف الإقليمية والدولية.

أولًا: حجم الجيشين لا يروي القصة كاملة

تتمتع إثيوبيا بقاعدة بشرية واقتصادية أوسع، بينما تعتمد إريتريا على نظام تعبئة عسكرية واسع جعل قواتها كبيرة نسبيًا مقارنة بحجم سكانها.

وتشير تقديرات نشرت عن عام 2025 إلى أن قوام القوات المسلحة الإريترية قد يتراوح بين 150 ألفًا و200 ألف فرد في الخدمة الفعلية، لكن التقديرات تختلف بشدة بحسب تعريف القوات الفعلية والاحتياط والتعبئة الشعبية. لذلك لا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها إحصاءً رسميًا مؤكدًا.

وتقدم بيانات «غلوبال فاير باور» لعام 2026 مؤشرًا عامًا إلى محدودية الموارد العسكرية الإريترية، لكنها تعتمد جزئيًا على تقديرات غير رسمية، ولا تقيس بصورة مباشرة الجاهزية القتالية أو جودة القيادة أو القدرة على مواصلة العمليات.

المقارنة نوعية، وليست جردًا رسميًا للأسلحة أو ترتيبًا حاسمًا للقوة القتالية. وتختلف دقة البيانات المتاحة بشأن البلدين.

ثانيًا: عناصر القوة العسكرية الإريترية

1. التعبئة البشرية والقدرة على تحمّل الخسائر

يمثل التجنيد الإجباري والخدمة الوطنية الممتدة أحد أبرز مصادر القوة البشرية لدى أسمرة. وقد أتاح هذا النظام للدولة الاحتفاظ بقاعدة واسعة من الأفراد الذين يمكن تعبئتهم، رغم أن طول الخدمة لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى التدريب أو الجاهزية لدى جميع الوحدات.

وتكمن أهمية هذا العامل في قدرة إريتريا على حشد قوات للدفاع عن أراضيها، خصوصًا إذا اعتبرت القيادة أن الحرب تهدد بقاء الدولة أو سيادتها. لكن القدرة على تعبئة الأفراد تختلف عن القدرة على تسليحهم وإمدادهم وإبقائهم في الميدان بكفاءة.

2. الخبرة القتالية والتضاريس

خاضت إريتريا حروبًا ونزاعات ممتدة، بينها حرب الحدود مع إثيوبيا بين عامي 1998 و2000، ثم الحرب التي شهدها إقليم تيغراي بين عامي 2020 و2022، عندما قاتلت قوات إريترية إلى جانب القوات الحكومية الإثيوبية في مواجهة قوات تيغراي.

وقد أكسبت هذه التجارب بعض الوحدات خبرة في القتال البري والعمل في بيئة جبلية وعرة. غير أن الخبرة السابقة لا تضمن التفوق في مواجهة جديدة، خصوصًا إذا اختلفت طبيعة العمليات أو واجهت القوات خصمًا يمتلك قدرات جوية وتقنية متفوقة.

3. الميزة الدفاعية للأرض

تمنح التضاريس الجبلية والمرتفعات في أجزاء من الحدود إريتريا مزايا دفاعية محتملة، إذ قد تجعل تقدم القوات المهاجمة أكثر صعوبة وتزيد كلفة السيطرة على المناطق الحدودية.

لكن هذه الميزة لا تعمل بصورة مستقلة عن عوامل أخرى، مثل الإمدادات والاتصالات والتسليح والقدرة على حماية القوات من الهجمات الجوية. كما أن التضاريس الوعرة قد تعرقل حركة المدافعين أنفسهم وتزيد صعوبة إيصال الذخائر والإمدادات.

4. الأهمية الاستراتيجية للساحل

تمتلك إريتريا ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، وتضم ميناء عصب ذي الأهمية الاستراتيجية. وهذا الموقع يمنحها أهمية تتجاوز حجمها السكاني والاقتصادي، في منطقة تتقاطع فيها المصالح التجارية والعسكرية لقوى إقليمية ودولية.

غير أن الموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى تفوق عسكري؛ فقيمة الساحل في أي مواجهة تعتمد على قدرة الدولة على حمايته، وعلى موازين القوة البحرية والجوية، وعلى ما إذا كانت الأطراف الخارجية ستتدخل أو تكتفي بالدبلوماسية.

ثالثًا: نقاط الضعف التي قد تحدّ من قدرة إريتريا على مواصلة الحرب

1. محدودية القوة الجوية

تُعد القوة الجوية أحد أهم أوجه عدم اليقين في ميزان المواجهة. فالتقديرات المفتوحة تشير إلى امتلاك إثيوبيا قدرات جوية أوسع، بينما تبدو المعلومات الموثوقة عن عدد الطائرات الإريترية الصالحة للقتال ومستوى جاهزيتها محدودة.

وإذا استطاعت إثيوبيا استثمار تفوقها الجوي في مراقبة التحركات العسكرية أو إضعاف الإمدادات، فقد يفرض ذلك ضغوطًا كبيرة على القوات الإريترية. لكن حجم هذا التأثير يتوقف على جاهزية الطائرات، والدفاعات الجوية، والقدرة على حماية المنشآت والقوات، وليس على عدد الطائرات وحده.

2. كلفة الحرب الطويلة

يمثل الاقتصاد الأصغر والموارد المحدودة تحديًا أمام إريتريا إذا امتدت الحرب لأشهر طويلة. فالحرب الحديثة تستهلك كميات كبيرة من الوقود والذخائر وقطع الغيار، وتتطلب موارد مالية مستمرة لتعويض الخسائر والحفاظ على جاهزية المعدات.

وقد تصبح هذه القيود أكثر تأثيرًا إذا تراجعت التجارة أو تعطلت الموانئ أو واجهت البلاد صعوبة في الحصول على قطع الغيار والمعدات العسكرية.

وفي المقابل، لا يعني اتساع الاقتصاد الإثيوبي أن أديس أبابا تستطيع تحمل حرب مفتوحة بلا حدود؛ فإثيوبيا تواجه هي الأخرى أعباء اقتصادية وأمنية داخلية، وقد تؤدي الحرب إلى استنزاف مواردها وتفاقم الضغوط على الحكومة.

3. تقادم بعض المعدات وصعوبة تحديثها

تشير تحليلات عسكرية مفتوحة إلى اعتماد إريتريا على معدات سوفيتية أو روسية المنشأ يعود بعضها إلى أجيال أقدم، في حين شهدت إثيوبيا جهودًا لتحديث قدراتها العسكرية.

لكن لا تتوافر بيانات علنية موثوقة وشاملة تكشف حالة كل منظومة تسليح لدى الطرفين أو معدلات جاهزيتها. لذلك فإن الحديث عن تقادم المعدات الإريترية يجب أن يظل تقديرًا عامًا، لا حكمًا بأن جميع أسلحتها غير فعالة.

4. محدودية العمق الاقتصادي والبشري

تمتلك إثيوبيا عدد سكان أكبر بكثير، ما يمنحها قاعدة أوسع لتجنيد القوات ودعم الاقتصاد خلال الحرب. أما إريتريا، فرغم قدرتها على التعبئة، فإن استمرار الاستنزاف البشري قد تكون له آثار أشد على مجتمع أصغر.

ومع ذلك، فإن التفوق السكاني لا يحسم الحرب بمفرده؛ فقد تعجز الدولة الأكبر عن تحويل مواردها إلى نتائج عسكرية إذا واجهت مشكلات في القيادة أو الإمداد أو الاستقرار الداخلي.

5. الضغوط الداخلية والتداعيات الإنسانية

قد تؤدي حرب طويلة إلى زيادة الضغوط على المجتمع الإريتري، الذي يتحمل أصلًا أعباء نظام الخدمة الوطنية الممتدة. كما قد تتسبب في نزوح السكان وتعطيل النشاط الاقتصادي وزيادة الحاجة إلى الغذاء والخدمات الأساسية.

وتظل هذه التداعيات عاملًا مهمًا في حسابات القيادة، لأن القدرة على استمرار الحرب لا تتعلق بالجيش وحده، بل بقدرة الدولة والمجتمع على تحمل كلفتها.

رابعًا: الجغرافيا السياسية قد تكون حاسمة

لا يمكن فصل أي مواجهة بين أسمرة وأديس أبابا عن التنافس حول البحر الأحمر، ولا عن النزاع الداخلي الإثيوبي في إقليم تيغراي.

فإثيوبيا فقدت منفذها البحري المباشر بعد استقلال إريتريا عام 1993، وأصبحت تعتمد على موانئ دول أخرى، خصوصًا جيبوتي، في جانب كبير من تجارتها البحرية. وتقول الحكومة الإثيوبية إن الحصول على منفذ بحري يمثل مصلحة استراتيجية واقتصادية مهمة، بينما تنظر إريتريا إلى أي محاولة لفرض الوصول إلى موانئها باعتبارها تهديدًا لسيادتها.

وقد أسهم هذا الخلاف في زيادة التوتر بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، بحسب تحليلات مجموعة الأزمات الدولية.

وتتداخل مع ذلك ثلاثة عوامل رئيسية:

– إقليم تيغراي: عودة القتال هناك قد تفتح المجال أمام صدام مباشر بين الجيشين، خصوصًا إذا اتسعت الاتهامات المتبادلة بشأن دعم القوى المحلية أو دخول القوات عبر الحدود.
– البحر الأحمر وميناء عصب: قد يؤدي أي تصعيد حول الوصول إلى البحر إلى توسيع نطاق الأزمة، وجذب اهتمام دول تعتمد على استقرار الملاحة والتجارة البحرية.
– التدخلات الخارجية: قد تمارس القوى الإقليمية والدولية ضغوطًا لاحتواء التصعيد، أو تتأثر حساباتها بمصالحها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. لكن لا توجد ضمانات بأن هذه الضغوط ستمنع الحرب إذا اتخذ أحد الطرفين قرارًا بالتصعيد.

وتكمن الخطورة في أن النزاع قد يبدأ بمواجهة محدودة، ثم يتسع بفعل سوء التقدير أو تبادل الضربات أو دخول أطراف أخرى على خط الصراع.

خامسًا: ثلاثة سيناريوهات محتملة للمواجهة

السيناريو الأول: مواجهة حدودية محدودة

قد تقتصر العمليات على اشتباكات في المناطق الحدودية، مع محاولات كل طرف فرض كلفة على الآخر دون التورط في حرب شاملة. وفي هذا السيناريو، قد تساعد التضاريس والخبرة البرية إريتريا على الدفاع عن مواقعها، بينما يمنح الحجم العسكري والقدرات الجوية الأوسع إثيوبيا أدوات ضغط إضافية.

يبقى احتواء التصعيد ممكنًا إذا نجحت الوساطات في منع اتساع الاشتباكات.

السيناريو الثاني: حرب برية وجوية واسعة

في مواجهة ممتدة، تصبح الجاهزية الجوية، والقدرة على حماية القوات والإمدادات، ومخزون الذخائر وقطع الغيار أكثر أهمية من حجم الجيش الاسمي.

وقد تواجه إريتريا صعوبة أكبر في تعويض الخسائر والحفاظ على المعدات إذا طال أمد الحرب، بينما قد تواجه إثيوبيا بدورها أعباء كبيرة بسبب اتساع الجبهة واحتمال تجدد القتال الداخلي في الشمال.

لا تسمح المعلومات العلنية المتاحة بالجزم بنتيجة هذا السيناريو.

السيناريو الثالث: حرب إقليمية تتجاوز البلدين

قد تتسع الأزمة إذا امتدت العمليات إلى مناطق استراتيجية قرب البحر الأحمر، أو تدخلت قوى خارجية دعمًا لأحد الطرفين، أو تزامنت المواجهة مع تصعيد في جبهات إقليمية أخرى.

وفي هذه الحالة، لن يتحدد ميزان القوة بالقدرات العسكرية الوطنية وحدها، بل أيضًا بمواقف الدول المجاورة، ومسارات الإمداد، والضغوط الدبلوماسية، واحتمالات تعطيل التجارة والملاحة.

سادسًا: هل يستطيع الجيش الإريتري الصمود أمام إثيوبيا؟

الإجابة الأدق هي أن إريتريا تمتلك مقومات دفاعية وبشرية قد تساعدها على مقاومة هجوم إثيوبي، لكن قدرتها على خوض حرب استنزاف طويلة تظل موضع شك بسبب القيود الاقتصادية وعدم وضوح جاهزية ترسانتها العسكرية.

في المقابل، تمنح إثيوبيا نفسها قاعدة سكانية واقتصادية أوسع وقدرات جوية يُعتقد أنها أكبر، لكن ذلك لا يضمن لها نصرًا سريعًا أو قليل الكلفة. فالحرب بين البلدين لن تكون مجرد مقارنة بين عدد الجنود والطائرات؛ إذ يمكن أن تؤدي الجغرافيا الوعرة، والاضطرابات الداخلية، وصعوبة الإمداد، والتدخلات الخارجية إلى تغيير مسارها.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية أكبر في ضوء التطورات الراهنة. فقد دعت الولايات المتحدة، اليوم الخميس، إلى خفض التصعيد بين البلدين، بالتزامن مع تقارير حقوقية عن سقوط ضحايا مدنيين وتجدد القتال في شمال إثيوبيا. 

وعليه، فإن التقدير الأكثر تحفظًا هو أن إريتريا قد تكون قادرة على جعل أي مواجهة مكلفة ومعقدة، خصوصًا إذا جرت على أراضيها، لكن قدرتها على مجاراة إثيوبيا في حرب طويلة تعتمد على عوامل لا تكشفها أعداد القوات وحدها، وفي مقدمتها الجاهزية الجوية، ومخزون الذخائر، وكفاءة القيادة، والقدرة على استمرار الإمدادات.

ولا يمكن، في ضوء المعلومات المتاحة، تحديد المنتصر المحتمل بصورة موثوقة.

*المصدر: الرائد

اترك تعليقا