الجارديان البريطانية: جيل زد في «صربيا» يهدد عرش فوتشيتش ويهز أوروبا
ميشا جليني
- dr-naga
- 22 أكتوبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- أوروبا, جيل زد, صحيفة الغارديان, صربيا, عرش فوتشيتش, ميشا جليني
التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، لكنه أحيانًا يعيد إنتاج المشاهد القديمة بصورة جديدة. قبل أكثر من ربع قرن، خرج الصرب بأعداد كبيرة للتصويت ضد سلوبودان ميلوشيفيتش، الذي كان يسيطر على وسائل الإعلام والقضاء والأجهزة الأمنية، ومع ذلك خسر الانتخابات. وعندما تردد في مغادرة السلطة، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع حتى أجبروه على الرحيل.
اليوم تواجه صربيا لحظة مشابهة، لكن جيلًا جديدًا يتقدم إلى الواجهة. فقد أصبح ألكسندر فوتشيتش، الذي هيمن على الحياة السياسية في البلاد أربعة عشر عامًا، أمام تحدٍّ انتخابي غير مألوف تقوده حركة طلابية تحولت تدريجيًا إلى قوة سياسية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى منافسة متقاربة، وإن كانت نتائجها متباينة؛ فبعضها يمنح قائمة الطلاب تقدمًا واضحًا، بينما يُظهر بعضها الآخر سباقًا متكافئًا. لكن ثمة مؤشرًا مهمًا: كلما ارتفعت نسبة المشاركة، ازدادت فرص المعارضة في تحقيق نتيجة أفضل. ولا يعني ذلك أن هزيمة الحزب الحاكم أصبحت مؤكدة، لكنه يكشف أن المنافسة لم تعد محسومة سلفًا كما اعتاد أنصار السلطة.
بدأت الحركة الطلابية في نوفمبر 2024، بعد انهيار مظلة خرسانية في محطة السكك الحديدية بمدينة نوفي ساد، ما أسفر عن مقتل ستة عشر شخصًا. وجاءت الكارثة بعد أشهر من انتهاء أعمال تجديد المحطة التي نفذها ائتلاف صيني، وسط اتهامات بوجود فساد في الصفقة. وتحولت المأساة إلى نقطة انطلاق لاحتجاجات طالبت بالمحاسبة والشفافية، ثم اتسعت مطالبها لتشمل طبيعة الحكم نفسه.
لم تكن المهمة سهلة. فالاحتجاجات، مهما اتسعت، لا تتحول تلقائيًا إلى بديل سياسي قادر على منافسة حزب يمتلك أدوات الدولة وشبكات النفوذ. كما عانت أحزاب المعارضة التقليدية الانقسام وضعف القيادة، الأمر الذي جعل من الصعب ترجمة الغضب الشعبي إلى أصوات انتخابية.
لكن الطلاب اتخذوا خطوة مختلفة عندما أعلنوا تشكيل قائمة انتخابية تضم أكاديميين ومهندسين وعمالًا وشخصيات ثقافية وطلابًا. واختاروا شعارًا مباشرًا: «صربيا أم المافيا»، في محاولة لربط مطالبهم بمكافحة الفساد، لا بمجرد تغيير الأشخاص في قمة السلطة.
في المقابل، اتجه فوتشيتش إلى تصعيد الخطاب القومي وحشد القوى اليمينية، مستفيدًا من علاقاته مع شخصيات إقليمية قريبة من موسكو، مع استمرار محاولاته للموازنة بين الغرب وروسيا. وتكشف هذه السياسة أن المعركة الصربية لا تدور حول المنافسة الداخلية وحدها، بل ترتبط أيضًا بموقع البلاد بين القوى الدولية.
وتبرز هنا مسؤولية الاتحاد الأوروبي. فقد شعر المحتجون بأن العواصم الأوروبية لم تمنح نضالهم الديمقراطي الاهتمام الكافي، وأن بعض الأطراف الخارجية تعاملت مع تراجع الديمقراطية في صربيا باعتباره أمرًا يصعب تغييره. غير أن تجاهل الحركة قد يضعف فرص الإصلاح، ويترك مساحة أوسع للنفوذ الروسي في منطقة البلقان.
إذا حققت قائمة الطلاب فوزًا انتخابيًا، فقد تتجاوز آثار ذلك حدود صربيا. فمن شأنه أن ينعش النقاش حول مستقبل الديمقراطية في البلقان، ويمنح الاتحاد الأوروبي فرصة لتسريع تقارب بلغراد مع مؤسساته، ويثير تساؤلات بشأن قدرة الحركات الشعبية الجديدة على تغيير أنظمة سياسية راسخة.
لكن النتيجة ليست مضمونة، كما أن الفوز الانتخابي وحده لن يحل مشكلات القضاء والإعلام والفساد. والتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إزاحة قيادة سياسية، بل في بناء مؤسسات مستقلة تمنع عودة تركيز السلطة في يد شخص واحد.
الكاتب: ميشا جليني
المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية