التكنولوجيا الأوكرانية تشعل سباق المسيّرات في أمريكا
بصورة غير مباشرة باستثمارات ترامب
- السيد التيجاني
- 30 سبتمبر، 2026
- المشاريع العالمية, تقارير وترجمات
- أوكرانيا, التكنولوجيا الأوكرانية, الطائرات المسيّرة, الهند, باكستان, ترامب, سباق المسيرات
تتحرك شركة «باوروس» الأمريكية الناشئة بسرعة لتثبيت موقعها في سوق الطائرات المسيّرة، مستفيدة من الطلب المتزايد داخل وزارة الدفاع الأمريكية وعلى المستوى الدولي، بينما تراهن على نقل خبرات وتقنيات طورتها شركات أوكرانية خلال الحرب إلى الولايات المتحدة وتصنيعها محلياً.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد الشركة للاندماج مع شركة «أوريوس غرينواي هولدنغز» المدرجة في بورصة ناسداك، في صفقة تمنحها طريقاً إلى السوق العامة وترتبط بصورة غير مباشرة باستثمارات دونالد ترامب الابن وإريك ترامب.
أوكرانيا تتحول إلى مصدر للتكنولوجيا العسكرية
تستند استراتيجية «باوروس» إلى حقيقة فرضتها الحرب في أوكرانيا على سوق الدفاع العالمية، وهي أن الطائرات المسيّرة لم تعد مجرد أدوات مساندة في ساحة المعركة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من عمليات الاستطلاع والهجوم والحماية ومواجهة الطائرات غير المأهولة.
وتسعى الشركة إلى إقامة شراكات مع شركات أوكرانية والاستفادة من تقنياتها ثم نقلها إلى الولايات المتحدة، حيث يمكن دمجها مع قدرات التصنيع والتمويل والوصول إلى العقود الحكومية.
وقال بريت فيليكوفيتش، رئيس «باوروس» والمحلل السابق في استخبارات العمليات الخاصة بالجيش الأمريكي، إن الشركة تريد أن تصبح «حلاً شاملاً» للبنتاغون، من خلال تقديم تكنولوجيا أجنبية بواجهة أمريكية.
شركة صغيرة بطموحات دفاعية كبيرة
رغم الطموحات الكبيرة، لا تزال «باوروس» في مرحلة مبكرة. فقد تأسست في أكتوبر 2025، ولم تكن لديها عمليات مدرة للدخل في بداية 2026، قبل أن تتوسع من خلال عمليات استحواذ على شركات وقدرات في مجال الطائرات الجوية والبحرية.
وسجلت الشركة مبيعات بلغت نحو 1.2 مليون دولار خلال الربع الأول، ثم أعلنت عن عقد مع القوات الجوية الأمريكية تصل قيمته إلى 90 مليون دولار، إلى جانب صفقة تجارية بقيمة 22.3 مليون دولار لحماية بنية تحتية للطاقة في الشرق الأوسط لصالح عميل لم تكشف عن هويته.
ويرى مراقبون أن هذه العقود تمنح الشركة فرصة لإثبات نفسها، لكنها في الوقت ذاته تضعها أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على تحويل النمو السريع إلى أعمال مستقرة ومستدامة.
خبرات عسكرية في مجلس الشركة
تضم منظومة «باوروس» شخصيات ذات خبرة عسكرية وأمنية، من بينها كيث كيلوغ، الجنرال المتقاعد في الجيش الأمريكي والمبعوث السابق للرئيس دونالد ترامب إلى أوكرانيا، الذي يشغل عضوية مجلسها الاستشاري.
وقال كيلوغ إن وجود اسم دونالد ترامب الابن وإريك ترامب ضمن المستثمرين «لا يضر أبداً» بالشركة، في إشارة إلى القيمة التي يمكن أن تضيفها هذه الصلة إلى مشروع ناشئ يحاول الدخول إلى سوق الدفاع الأمريكية.
وفي المقابل، يؤكد مسؤولو «باوروس» وممثلو نجلي ترامب أن استثماراتهما غير مباشرة، وأنهما لا يشاركان في الإدارة التشغيلية للشركة أو في أعمالها اليومية.
وتضم الشركة أيضاً شخصيات عسكرية سابقة أخرى، وهو ما يعكس توجهها إلى الجمع بين الخبرة العملياتية والقدرات التكنولوجية والاستثمارية.
باكستان تفتح مساراً جديداً
لم تقتصر تحركات «باوروس» على السوق الأمريكية، إذ حصلت الشركة خلال زيارة إلى باكستان في سبتمبر على طلب محدود من وزارة الدفاع لتوريد طائرات مسيّرة وخدمات مرتبطة بها، بالتزامن مع توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في الأنظمة غير المأهولة والمستقلة.
وجاءت الخطوة عقب لقاء وفد الشركة، برئاسة فيليكوفيتش، مع المشير سيد عاصم منير، قائد الجيش ورئيس قوات الدفاع الباكستانية، في مقر القيادة العامة بمدينة روالبندي.
وقال مسؤولون باكستانيون إن المحادثات تناولت التكنولوجيا الدفاعية والتعاون في المشتريات والإنتاج وبناء القدرات، بينما تسعى «باوروس» إلى تطوير شراكات يمكن أن تتجاوز بيع المنتجات الجاهزة إلى التصنيع والتطوير المحلي.
ويرى بلال خان، مؤسس مجموعة متخصصة في أخبار واستخبارات أسواق الدفاع، أن دخول «باوروس» إلى السوق الباكستانية يثير تساؤلات بشأن قدرتها على تقديم تقنيات إضافية، في ظل امتلاك باكستان خبرة محلية في تصنيع وتشغيل الطائرات المسيّرة.
في المقابل، يرى منصور أحمد، المحاضر الفخري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدفاعية بالجامعة الوطنية الأسترالية، أن اهتمام باكستان قد يرتبط بالحصول على تقنيات متقدمة تسمح أيضاً بتوطين الإنتاج وبناء قدرات محلية.
الهند وباكستان أمام اختبار حساس
يزداد تعقيد المشهد بسبب علاقة الشركة بالهند أيضاً، بعدما منحت «باوروس» شركة هندية ترخيصاً لتصنيع وتسويق تكنولوجيا «غارديان» داخل السوق الهندية.
ويرى محللون أن العمل مع الهند وباكستان في الوقت نفسه يمثل اختباراً حساساً للشركة، نظراً للتنافس بين البلدين، وما يفرضه ذلك من متطلبات تتعلق بحماية المعلومات والتكنولوجيا وإدارة العقود الدفاعية.
وتشير هذه العلاقات إلى أن «باوروس» تحاول بناء نموذج عالمي لا يقوم فقط على بيع الطائرات المسيّرة، وإنما على نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي والشراكات الاستراتيجية.
أوكرانيا تمنح الشركة ميزة تنافسية
تمثل التكنولوجيا الأوكرانية أحد أهم عناصر استراتيجية الشركة، خصوصاً في ظل الخبرة التي اكتسبتها كييف في استخدام الطائرات المسيّرة وتطويرها خلال الحرب.
وتجري «باوروس» محادثات مع شركات دفاع أوكرانية للحصول على تقنيات جديدة، بينها أنظمة هجومية بعيدة المدى، بهدف إدخالها إلى السوق الأمريكية وتصنيعها محلياً.
ويرى خبراء في صناعة الدفاع أن الجمع بين الخبرة الأوكرانية الميدانية والقدرة الأمريكية على التمويل والتصنيع يمكن أن يسرع دورة تطوير الأنظمة غير المأهولة.
لكن هذا النموذج يواجه تحديات تتعلق بالملكية الفكرية، ونقل التكنولوجيا، والقيود الحكومية، فضلاً عن ضرورة إثبات قدرة المنتجات على العمل بكفاءة خارج البيئة التي طورت فيها.
من الحرب إلى السوق
تعكس قصة «باوروس» اتجاهاً أوسع في صناعة الدفاع الأمريكية، حيث تسعى شركات ناشئة إلى استغلال الخبرة التي أفرزتها الحرب في أوكرانيا لتطوير منتجات جديدة تلبي احتياجات البنتاغون.
وتحاول الشركة أن تصبح حلقة وصل بين التكنولوجيا الأجنبية والسوق الأمريكية، وهو نموذج قد يتيح لشركات صغيرة الوصول إلى عقود ضخمة من دون بناء جميع التقنيات من الصفر.
لكن نجاح التجربة سيعتمد على قدرتها على تنفيذ العقود، وإثبات كفاءة منتجاتها، وتحويل مذكرات التفاهم والصفقات الأولية إلى شراكات طويلة الأمد.
توقعات بمرحلة اختبار حقيقية
ستكون الفترة المقبلة حاسمة بالنسبة إلى «باوروس»، خصوصاً مع اقتراب اندماجها مع «أوريوس غرينواي هولدنغز» وانتقالها إلى مرحلة جديدة في السوق العامة.
وستواجه الشركة اختباراً مزدوجاً يتمثل في المحافظة على سرعة النمو من جهة، وإثبات قدرتها على بناء أعمال دفاعية مستقرة من جهة أخرى.
كما ستحدد قدرتها على إدارة علاقاتها المتزامنة مع الولايات المتحدة وأوكرانيا وباكستان والهند ودول الخليج مدى نجاح نموذجها القائم على نقل التكنولوجيا والتصنيع والشراكات الدولية.
وهنا، فإن توسع شركات الطائرات المسيّرة الأمريكية عبر استقدام التكنولوجيا الأوكرانية قد يفتح باباً مهماً لتطوير الصناعات الدفاعية، لكنه يحمل مخاطر لا ينبغي تجاهلها. فالتوسع السريع في هذا القطاع قد يحول الخبرة العسكرية المكتسبة من الحروب إلى سوق تجارية واسعة، بما يستدعي رقابة أكثر صرامة وشفافية في الاستخدام.