التصوف بين الشريعة والسياسة
يسري الخطيب يكتب
- dr-naga
- 14 أبريل، 2026
- رأي وتحليلات
- التصوف, الجيلاني, الحرب الإيرانية, الشريعة والسياسة, ختم الأولياء
قراءة نقدية في العدد الجديد من “مدارك”
في وقتٍ تتشابك فيه خرائط السياسة بالعقيدة، وتُستدعى فيه الرموز الدينية إلى ساحات الصراع، يجيء العدد الرابع من مجلة “مدارك” ليقدّم معالجة مختلفة لملف التصوف، لا من داخله، بل من خارجه؛ قراءة نقدية تنطلق من مرجعية سنّية واضحة، تسعى إلى التمييز بين ما تراه التزامًا بالهدي الصحيح، وما تعتبره انحرافًا عقديًا أو غلوًا في الممارسات.
العدد، كما يكشف بناؤه التحريري، لا يقدّم التصوف بوصفه تجربة روحية فحسب، بل كحالة فكرية وتاريخية تستدعي المراجعة، خاصة في ظل توظيفها في سياقات سياسية معاصرة، وعلى رأسها الحرب الإيرانية.
تحقيق العدد: الصوفية في مرآة الحرب الإيرانية
تحقيق: أ. محمد المهدي
يفتتح العدد بتحقيق صحفي موسّع يرصد مواقف عدد من رموز الطرق الصوفية من الحرب الإيرانية، كاشفًا عن تباين واضح في الرؤى، يصل في بعض الأحيان إلى حد التناقض.
فبينما يرى د. محمد زغلة أن توجيه الضربات إلى إسرائيل أمر يستحق التأييد بغضّ النظر عن الخلافات المذهبية، يذهب د. علاء أبو العزائم إلى أبعد من ذلك بالدعوة إلى التقارب مع إيران، معتبرًا أن الاتحاد معها يمثل قوة في مواجهة “العدو المشترك”.
في المقابل، يطرح د. يسري جبر قراءة أكثر حذرًا، معتبرًا أن الصراع تحكمه تعقيدات خفية، وأن المشهد لا يخلو من التباسات تتجاوز الظاهر المعلن.
أما د. عطية مصطفى فيؤكد وحدة المسلمين، ويرفض تضخيم الخلاف السني الشيعي، مع انتقاده لبعض الممارسات الرمزية التي رآها غير منضبطة.
غير أن التحقيق – في سياق عرضه لهذه الآراء – يترك للقارئ مساحة واضحة للتساؤل: إلى أي مدى يمكن أن ينفصل الخطاب الصوفي عن التوظيف السياسي؟ وهل تتحول بعض المواقف إلى غطاء ديني لصراعات ذات أبعاد مذهبية أعمق؟
“ختم الأولياء”: مراجعة جذرية لمفهوم صوفي
بقلم: د. محمد أبو عمر
في واحدة من أبرز مواد العدد، يقدّم الكاتب دراسة نقدية لمفهوم “ختم الأولياء”، متتبعًا جذوره منذ الحكيم الترمذي، وصولًا إلى تنظيرات ابن عربي.
الدراسة لا تكتفي بالتأريخ، بل تمضي إلى تفكيك الفكرة نفسها، خاصة ما ارتبط بها من أطروحات تفضّل الولي على النبي، أو تجعل للولاية مقامًا يتجاوز حدود النبوة.
وهي أطروحات يقدّمها الكاتب بوصفها نماذج لانحرافات فكرية تسللت إلى بعض مدارس التصوف الفلسفي، مستندًا إلى نصوصها الأصلية.
الجيلاني نموذجًا: التصوف المنضبط بالشريعة
في مقابل هذا النقد، يقدّم العدد سيرة الإمام عبد القادر الجيلاني باعتباره نموذجًا مختلفًا، يجمع بين الزهد والالتزام بالشريعة، بعيدًا عن الغلو أو الانحراف.
ويبدو واضحًا أن المجلة تسعى هنا إلى التفريق بين ما تعتبره “تصوفًا سنيًا” منضبطًا، وبين اتجاهات أخرى تصفها بالمبالغة أو الخروج عن الأصول.
من الزاوية إلى المنصة: التصوف في العصر الرقمي
يرصد العدد تحولات لافتة في بنية الطرق الصوفية، مع انتقالها إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت المنصات الإلكترونية وسيلة لنشر الأفكار واستقطاب الأتباع.
غير أن هذه الظاهرة، رغم ما تحمله من انتشار، تطرح – بحسب قراءة المجلة – تحديات تتعلق بضبط الخطاب، ومنع انتشار المفاهيم غير المنقحة أو الممارسات غير المستندة إلى أصول شرعية واضحة.
بين المحبة والغلو: تفكيك الشبهات
في باب “شبهات تحت المجهر”، يعالج العدد واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي العلاقة بالصالحين.
ويضع الموضوع حدودًا فاصلة بين المحبة المشروعة والتقديس المرفوض، محذرًا من الانزلاق إلى ممارسات يرى أنها تخرج عن دائرة التوحيد، وهو طرح يعكس بوضوح المنهج النقدي الذي تتبناه المجلة.
قراءة في ابن عربي: من التفسير إلى التأويل
ضمن “خزانة الوثائق”، يقدّم العدد قراءة نقدية في تأويلات ابن عربي، خاصة في تفسير الفاتحة والبسملة، مسلطًا الضوء على الفروق بين التفسير القائم على النص، والتأويل الذي ينفتح على معانٍ باطنية قد تتجاوز حدود الدلالة الشرعية.
جذور التصوف: من الزهد إلى التنظيم
في باب “محطات تاريخية”، يعود العدد إلى نشأة التصوف في القرن الثاني الهجري، حين كان تعبيرًا عن الزهد الفردي، قبل أن يتحول لاحقًا إلى طرق منظمة ومؤسسات ذات بنية واضحة.
ابن تيمية والتصوف: قراءة خارج ثنائية الصراع
يختتم العدد بقراءة في كتاب “موقف ابن تيمية من الصوفية”، في محاولة لتقديم رؤية أكثر توازنًا، تُبرز نقده للانحرافات، دون إنكار وجود نماذج صوفية التزمت بالكتاب والسنة.
معركة المفاهيم قبل معركة السياسة
ما يقدمه هذا العدد من “مدارك” يتجاوز مجرد عرض موضوعات متفرقة، ليطرح سؤالًا مركزيًا: هل يمكن فصل الدين عن الصراع السياسي في واقعنا المعاصر؟
فالعدد، من خلال زاويته النقدية، يلمّح إلى أن الخطر لا يكمن فقط في توظيف الدين، بل في تشوّه المفاهيم ذاتها، حين تختلط حدود العقيدة بالممارسات، أو تتحول الرموز إلى أدوات في معارك النفوذ.
وفي زمنٍ تتصارع فيه الروايات، تبدو معركة الوعي – كما يوحي هذا العدد – هي الأعمق أثرًا، لأنها تمس أصل الفكرة، لا مجرد تجلياتها.