التجارة البينية بين الدول العربية والإسلامية
لماذا تعثرت رغم الإمكانات الضخمة؟
- معاذ الجمال
- 23 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد, الاقتصاد العالمي, الذكاء الاصطناعي, سلاسل الإمداد
رغم امتلاك الدول العربية والإسلامية مقومات اقتصادية كبيرة، تشمل الموارد الطبيعية، والأسواق الاستهلاكية الواسعة، والموقع الجغرافي الذي يربط بين قارات العالم، فإن التجارة البينية لا تزال دون مستوى هذه الإمكانات، ويثير ذلك تساؤلات مستمرة حول أسباب ضعف التكامل الاقتصادي، ولماذا لم تتحول الروابط الجغرافية والثقافية بين هذه الدول إلى منظومة تجارية أكثر قوة وتأثيرًا على غرار بعض التكتلات الاقتصادية العالمية.
وتضم “منظمة التعاون الإسلامي” (57 دولة عضوًا)، تمثل كتلة سكانية واقتصادية واسعة، إلا أن حركة التجارة بين أعضائها تواجه تحديات تحد من نموها، أبرزها اختلاف السياسات الاقتصادية، وتفاوت مستويات التنمية، وضعف الترابط بين الأسواق، كما أن التجارة بين الدول العربية نفسها لا تزال تواجه عقبات هيكلية رغم وجود اتفاقيات تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي، مثل “منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى”.
إرث تجاري تاريخي وتحديات حديثة..
تاريخيًا، كانت مناطق واسعة من العالم الإسلامي مركزًا لشبكات تجارية عالمية امتدت عبر طرق البر والبحر، من “الأندلس” و”شمال إفريقيا” إلى “الشرق الأوسط” و”آسيا الوسطى” و”الهند” و”الصين”، وأسهم التجار المسلمون في تطوير طرق التجارة ونقل السلع والمعارف، مستفيدين من شبكات الثقة والمؤسسات التجارية التي ساعدت على ازدهار الأسواق في فترات تاريخية مختلفة.
ويرى المؤرخ الاقتصادي الأمريكي “أفنر غريف”، أن تطور المؤسسات التجارية وشبكات الثقة والعلاقات التعاقدية كان من العوامل التي ساعدت التجار في العالم الإسلامي التاريخي على توسيع نشاطهم الاقتصادي، وهو ما يبرز أهمية دور المؤسسات في نجاح التجارة العابرة للحدود.
أما في العصر الحديث، فإن ضعف التكامل الاقتصادي لا يرتبط بنقص الموارد بقدر ارتباطه بعوامل هيكلية، مثل محدودية التصنيع المشترك، واعتماد عدد من الاقتصادات على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة، إضافة إلى اختلاف التشريعات والأنظمة الاقتصادية بين الدول.
وأشار الاقتصادي المصري الراحل “جلال أمين” في تحليلاته الاقتصادية، إلى أن تحديات التنمية في المنطقة العربية ارتبطت بعوامل مثل ضعف الإنتاجية، والاعتماد على الخارج، وعدم تحقيق تكامل اقتصادي فعال بين الاقتصادات العربية، وهي عوامل انعكست على مستوى التجارة البينية.
التكامل المستقبلي يبدأ من الصناعة والرقمنة..
يرى “خبراء الاقتصاد” أن زيادة التجارة بين الدول العربية والإسلامية تتطلب الانتقال من مرحلة الاتفاقيات العامة إلى مشروعات عملية، تقوم على بناء سلاسل قيمة إقليمية مشتركة، بحيث تتوزع مراحل الإنتاج بين الدول وفق قدراتها التنافسية، خاصة في قطاعات مثل الصناعات الدوائية، والأغذية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا.
كما تمثل الرقمنة فرصة جديدة لتعزيز التكامل الاقتصادي، من خلال تطوير المنصات التجارية الإلكترونية، وربط الأنظمة الجمركية، وتسهيل حركة الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر الحدود، وتشير “تقارير مؤسسات تنموية”، بينها “البنك الإسلامي للتنمية”، إلى أن تحسين النقل، وتبسيط الإجراءات التجارية، وتوحيد المواصفات والمعايير يمكن أن يؤدي إلى تعزيز حركة التجارة والاستثمار بين الدول الأعضاء.
لكن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطًا بتجاوز تحديات قائمة، منها ضعف الربط اللوجستي بين بعض المناطق، وارتفاع تكاليف النقل، واختلاف القوانين التجارية، إضافة إلى تأثير الأزمات السياسية والتوترات الإقليمية على حركة الاستثمارات والتبادل التجاري.
ومع توسع “الاقتصاد الرقمي” وتطور تقنيات “الذكاء الاصطناعي” في إدارة “سلاسل الإمداد”، قد تمتلك الدول العربية والإسلامية فرصة جديدة لإعادة بناء علاقاتها الاقتصادية على أسس أكثر كفاءة، إلا أن نجاح هذه الفرصة يتطلب إرادة سياسية، ومؤسسات اقتصادية أكثر فاعلية، وانتقالًا من التركيز على الاتفاقيات إلى تنفيذ مشروعات إنتاجية مشتركة، تجعل التكامل الاقتصادي واقعًا ملموسًا لا مجرد هدف مؤجل.
