البيمارستانات الإسلامية.. جذور الطب المؤسسي

المستشفيات الإسلامية وتأسيس الطب

الرائد/ تمثل البيمارستانات، أو المستشفيات في الحضارة الإسلامية، أحد أبرز النماذج المؤسسية التي أسهمت في تطور العلوم الطبية عالميًا. ولم تكن هذه المؤسسات أماكن لعلاج المرضى فحسب، بل كانت تجمع بين الرعاية الصحية، والتعليم الطبي، والبحث العلمي، والتدريب السريري، وهو ما يجعلها من أوائل النماذج المتكاملة للمستشفى الأكاديمي في التاريخ.

وخلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الجامعات ومراكز تاريخ الطب بإعادة دراسة البيمارستانات الإسلامية، في ضوء مخطوطات طبية جديدة، وأبحاث أثرية، ودراسات مقارنة بين المؤسسات الطبية الإسلامية والأوروبية في العصور الوسطى. كما واصلت منظمة الصحة العالمية واليونسكو دعم المبادرات الهادفة إلى توثيق التراث الطبي بوصفه جزءًا من الذاكرة العلمية العالمية.

وتاريخيًا، بدأت البيمارستانات في التوسع منذ العصر الأموي، ثم بلغت ذروة تطورها في العصرين العباسي والمملوكي، حيث أُنشئت مستشفيات كبرى في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، وأصبحت تقدم خدماتها مجانًا للمرضى، بغض النظر عن أصولهم أو دياناتهم، مع تخصيص أجنحة للأمراض المختلفة، وصيدليات، وقاعات للتدريس، ومكتبات طبية.

ويعد البيمارستان النوري في دمشق، الذي أسسه السلطان نور الدين محمود زنكي في القرن السادس الهجري، والبيمارستان المنصوري في القاهرة، الذي أنشأه السلطان المنصور قلاوون، من أشهر النماذج التي تناولها المؤرخون، لما تميزت به من تنظيم إداري، وتخصصات طبية، ونظام للوقف يضمن استدامة التمويل.

ويرى المؤرخ الأمريكي مايكل هاملتون مورغان في كتابه Lost History أن البيمارستانات الإسلامية سبقت كثيرًا من المستشفيات الأوروبية في اعتمادها مفهوم العلاج المجاني، والتعليم السريري، والإدارة الطبية المنظمة، وأن تأثيرها امتد إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية.

كما يؤكد المستشرق الألماني مانفريد أولمان، المتخصص في تاريخ الطب الإسلامي، أن الأطباء المسلمين لم يقتصروا على ترجمة التراث الطبي اليوناني، بل طوروا أساليب التشخيص، ووصف الأدوية، والتعليم الطبي، وهو ما انعكس في مؤلفات ابن سينا، والرازي، والزهراوي، وابن النفيس.

ومن جانبه، يشير المؤرخ البريطاني بيتر بورمان، مدير مشروع التراث العربي في معهد واربورغ بجامعة لندن، إلى أن آلاف المخطوطات الطبية العربية ما زالت تحمل معلومات لم تُدرس بالكامل، وأن إعادة تحقيقها تكشف باستمرار جوانب جديدة من تاريخ العلوم.

ويرى المفكر المصري الدكتور عبد الوهاب المسيري أن المؤسسات العلمية في الحضارة الإسلامية، ومنها البيمارستانات، تعكس رؤية حضارية جعلت خدمة الإنسان مقصدًا رئيسيًا للعلم، وهو ما يفسر ارتباط الطب بالأخلاق والوقف والعمل الخيري.

كما يؤكد الباحث المغربي الدكتور رضا بودراع أن دراسة تاريخ الطب الإسلامي لا ينبغي أن تكون بهدف تمجيد الماضي، وإنما لفهم آليات بناء المؤسسات العلمية، وكيف استطاعت أن تجمع بين المعرفة، والتمويل المستدام، وخدمة المجتمع.

وفي السياق نفسه، يرى الباحث المصري الدكتور سيف عبد الفتاح أن تجربة الوقف الطبي تقدم نموذجًا مهمًا لدراسة العلاقة بين المجتمع المدني والدولة في الحضارة الإسلامية، إذ أسهم الوقف في تمويل المستشفيات والتعليم الطبي بصورة مستقرة لقرون.

وتشير دراسات حديثة في جامعتي أكسفورد وهارفارد إلى أن التعليم السريري الذي اعتمد على مرافقة الطلاب للأطباء داخل البيمارستانات كان من أبرز الإسهامات الإسلامية في تطوير التعليم الطبي، وأن عددًا من هذه الأساليب انتقل لاحقًا إلى أوروبا عبر مراكز الترجمة.

ورغم هذا الإرث، يؤكد مؤرخو الطب أن كثيرًا من الوثائق المتعلقة بالمستشفيات الإسلامية لا يزال يحتاج إلى التحقيق والدراسة، كما أن بعض المباني التاريخية تعرض للإهمال أو التدمير، مما يجعل برامج الترميم والتوثيق ضرورة علمية وثقافية.

ويتوقع الباحثون أن تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل المخطوطات الرقمية في السنوات المقبلة في إعادة اكتشاف نصوص طبية مجهولة، وربطها بالسجلات التاريخية، وهو ما قد يغير فهم تطور بعض التخصصات الطبية، مثل الجراحة، وطب العيون، والصيدلة، وعلم التشريح.

إن البيمارستانات الإسلامية لم تكن مجرد مستشفيات بالمعنى التقليدي، بل كانت مؤسسات حضارية متكاملة جمعت بين العلم والرحمة والإدارة الرشيدة. وإعادة دراسة هذه التجربة لا تهدف إلى استحضار الماضي فقط، بل إلى إبراز إسهام الحضارة العربية والإسلامية في بناء أحد أهم المرافق الإنسانية التي لا يزال العالم يعتمد على مبادئها الأساسية حتى اليوم.

المصادر:

منظمة الصحة العالمية، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، مايكل هاملتون مورغان: Lost History، مانفريد أولمان: Islamic Medicine، بيتر بورمان: أبحاث مشروع التراث العربي بجامعة لندن، أحمد عيسى بك: تاريخ البيمارستانات في الإسلام، ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، عبد الوهاب المسيري: مؤلفات في الحضارة، سيف عبد الفتاح: دراسات في الفكر والمؤسسات، رضا بودراع: دراسات في الحضارة والهوية.

اترك تعليقا