البيانات ودورها في القرار الاقتصادي

اقتصاد البيانات: ركيزة التخطيط وصناعة القرار الاستراتيجي

الرائد/ أصبحت البيانات في القرن الحادي والعشرين موردًا إستراتيجيًا لا يقل أهمية عن رأس المال أو الموارد الطبيعية، إذ تعتمد الحكومات والشركات على الإحصاءات الدقيقة في التخطيط الاقتصادي، وإدارة الأسواق، وتوجيه الاستثمارات، وقياس الأداء، والاستجابة للأزمات. ومع تسارع التحول الرقمي، برزت الحاجة إلى بناء منظومات إحصائية متطورة، وهو مجال يمتلك فيه العالم العربي والإسلامي فرصة كبيرة لتعزيز التعاون وتطوير قراراته الاقتصادية على أسس علمية.

وتؤكد الأمم المتحدة، من خلال شعبة الإحصاءات، أن البيانات الرسمية الموثوقة تمثل أساس تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، بينما يشير البنك الدولي إلى أن ضعف جودة البيانات يؤدي إلى انخفاض كفاءة السياسات العامة، ويزيد من مخاطر سوء تخصيص الموارد والاستثمارات.

وتاريخيًا، لم يكن الاهتمام بالإحصاء غائبًا عن الحضارة الإسلامية، فقد اهتمت الدول الإسلامية بتسجيل السكان، والأراضي الزراعية، والضرائب، وحركة التجارة، وإدارة بيت المال، كما أسهمت الدواوين في تنظيم المعلومات المالية والإدارية، وهو ما وفر أدوات للتخطيط وإدارة الموارد في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي.

ويرى الاقتصادي الأمريكي هال فاريان، كبير الاقتصاديين في شركة جوجل وأستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن القدرة على تحليل البيانات أصبحت من أهم مصادر الميزة التنافسية في الاقتصاد الحديث، وأن المؤسسات التي تبني قراراتها على البيانات تحقق كفاءة أعلى من تلك التي تعتمد على التقديرات التقليدية.

وتشهد معظم الدول العربية والإسلامية تطورًا ملحوظًا في أعمال المراكز الإحصائية الوطنية، إلا أن مستوى التكامل في تبادل البيانات الاقتصادية لا يزال محدودًا مقارنة بالتكتلات الاقتصادية الكبرى، وهو ما يحد من القدرة على بناء سياسات إقليمية مشتركة في مجالات التجارة، والاستثمار، وسوق العمل، والأمن الغذائي.

ومن أبرز فرص التكامل إنشاء منصة إحصائية عربية وإسلامية موحدة، تجمع المؤشرات الاقتصادية والتجارية والصناعية والزراعية والمالية وفق معايير دولية، بما يسهل على الحكومات والباحثين والشركات اتخاذ قرارات أكثر دقة، ويزيد من شفافية الأسواق.

كما يمكن توحيد بعض المنهجيات الإحصائية، وتبادل الخبرات بين الأجهزة الوطنية، وتطوير برامج تدريب مشتركة في تحليل البيانات الضخمة، والذكاء الإحصائي، والنماذج الاقتصادية، وهو ما يسهم في رفع جودة المؤشرات الاقتصادية على المستوى الإقليمي.

وتؤكد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أن البيانات المفتوحة، عندما تُنشر وفق ضوابط قانونية تحمي الخصوصية، تسهم في دعم الابتكار، وتحفيز الشركات الناشئة، وتحسين جودة الخدمات الحكومية، وتعزيز ثقة المستثمرين.

ومن الناحية الاقتصادية، تستطيع البيانات الدقيقة أن تقلل من هدر الإنفاق العام، وتحسن استهداف الدعم، وترفع كفاءة التخطيط العمراني، وتساعد في إدارة الموارد المائية والزراعية، كما تمكن القطاع الخاص من دراسة الأسواق والتوسع في الاستثمارات بصورة أكثر واقعية.

وتشير لجنة الأمم المتحدة الإحصائية إلى أن التحول الرقمي يفرض على المؤسسات الإحصائية تطوير أدواتها للاستفادة من مصادر البيانات الجديدة، مثل السجلات الإدارية، وصور الأقمار الصناعية، والبيانات الجغرافية، مع الحفاظ على المعايير المهنية والاستقلالية.

لكن هذا المسار يواجه تحديات تتعلق بتفاوت القدرات التقنية،واختلاف أساليب جمع البيانات،ونقص الكفاءات المتخصصة في علم البيانات.

تأسيساً على ما تقدم، نجد أن مستقبل القرار الاقتصادي بات رهيناً بثورة البيانات الضخمة وتقنيات تحليلها. لم يعد التحدي اليوم في جمع المعلومات، بل في كيفية استنطاقها واستشراف المستقبل من خلالها، لتصبح البيانات المحرك الأول للاقتصادات الذكية وقاطرة العبور نحو التنمية المستدامة.