البوسنة تواجه ضغوطاً جديدة على وحدتها وأمنها

مع تصاعد التحركات بين صرب البوسنة وإسرائيل

الرائد// عادت البوسنة والهرسك إلى واجهة التطورات السياسية في البلقان مع تصاعد التحركات المرتبطة بعلاقات كيان جمهورية صرب البوسنة بإسرائيل، بالتزامن مع تحرك أميركي جديد لتعزيز التعاون مع سراييفو في الأمن والطاقة والانتخابات.

وفي أحدث تطور، التقى وزير الخارجية البوسني إلمدين كوناكوفيتش في سراييفو، في 5 سبتمبر، عضوَي مجلس النواب الأميركي غريغ مورفي ومارك فيزي، وبحث معهما تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البوسنة والولايات المتحدة، والاستثمارات الأميركية ومشروع الربط الجنوبي للغاز الذي تعتبره سراييفو مهماً لتنويع مصادر الطاقة. كما ناقش الطرفان الوضع السياسي والأمني في البلاد والمنطقة، وتأثير روسيا، ونشاط ميلوراد دوديك، إضافة إلى التطورات المرتبطة بالجنرال الصربي السابق راتكو ملاديتش.

وتأتي الزيارة الأميركية في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد البوسنة تجاذبات متزايدة حول مستقبل الدولة المركزية والعلاقة بين مكوناتها الثلاثة: البوشناق المسلمون، والصرب الأرثوذكس، والكروات الكاثوليك.

وفي الجانب الآخر من المشهد، افتتحت غرفة التجارة الإسرائيلية أخيراً مكتباً في بانيا لوكا، عاصمة جمهورية صرب البوسنة، في خطوة وصفتها الأطراف المشاركة بأنها وسيلة لتعزيز العلاقات الاقتصادية. وحضر الافتتاح مسؤولون إسرائيليون وميلوراد دوديك، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً حول الأبعاد السياسية لهذا التقارب، خصوصاً في ظل الخلافات المستمرة بين دوديك والحكومة المركزية في سراييفو.

وتكمن حساسية التطور في أن البوسنة ليست دولة مركزية تقليدية؛ فهي نتاج اتفاق دايتون للسلام الذي أنهى الحرب عام 1995 وأنشأ نظاماً شديد التعقيد لتوزيع السلطة بين المكونات. ولذلك فإن أي علاقات خارجية تنشأ على مستوى أحد الكيانين المكونين للدولة يمكن أن تتحول سريعاً إلى قضية سيادية وسياسية.

ويرى مراقبون أن فتح قناة اقتصادية إسرائيلية في بانيا لوكا قد يمنح قيادة جمهورية صرب البوسنة مساحة إضافية لبناء علاقات دولية مستقلة نسبياً عن سراييفو، حتى لو كانت العلاقات التجارية في ظاهرها لا تتجاوز الاستثمار والتعاون الاقتصادي. وتزداد أهمية الأمر بسبب العلاقات التي تربط دوديك بروسيا، وقلق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أي مسار قد يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة المركزية.

لكن التطور الأكثر مباشرة بالنسبة إلى البوسنة نفسها وقع اليوم في ملف مختلف: الحرائق الواسعة التي تضرب مناطق من البلاد. وأظهرت صور رويترز استمرار مكافحة حريق غابات قرب تريبشييفو في البوسنة، فيما امتد الدخان باتجاه الساحل الكرواتي.

وتعكس الحرائق تحدياً متزايداً أمام دول البلقان مع ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الطقس، لكنها في الحالة البوسنية تكتسب بعداً اقتصادياً أيضاً، لأن السياحة والطبيعة والموارد الزراعية تمثل قطاعات مهمة في اقتصاد البلاد.

وفي الخلفية السياسية، جاء إحياء ملف جرائم الحرب في البوسنة بطريقة صادمة مع تشييع راتكو ملاديتش، القائد العسكري السابق لصرب البوسنة المدان بجرائم حرب وإبادة جماعية، في بلغراد اليوم. وأثارت مراسم التشييع التي اتخذت طابعاً احتفالياً انتقادات أوروبية، خصوصاً بسبب ارتباط ملاديتش بمذبحة سربرنيتسا التي قتل فيها نحو ثمانية آلاف من البوشناق المسلمين.

ويحمل توقيت هذه الأحداث دلالة خاصة؛ فبينما تحاول البوسنة بناء علاقات اقتصادية وأمنية أقوى مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تعود رموز الحرب إلى المشهد السياسي في صربيا والمنطقة، بالتزامن مع استمرار الخلافات حول طبيعة الدولة البوسنية ومستقبلها.

ويقول وزير الخارجية كوناكوفيتش إن الدعم الأميركي لسيادة البوسنة وسلامة أراضيها يمثل عنصراً أساسياً في الاستقرار، فيما ركزت المحادثات الأميركية البوسنية على الطاقة والاستثمار إلى جانب الملفات الأمنية.

وتبرز الطاقة هنا كأحد أهم الملفات المستقبلية. فمشروع الربط الجنوبي للغاز، الذي يحظى باهتمام أميركي، يمكن أن يقلل اعتماد البوسنة على مصدر واحد للطاقة، ويمنح سراييفو هامشاً أكبر في إدارة علاقاتها الإقليمية. ومن الناحية الجيوسياسية، فإن تنويع مصادر الغاز يعني أيضاً تقليل مساحة النفوذ الخارجي المرتبطة بالطاقة.

أما اقتصادياً، فتواجه البوسنة مشكلة مزمنة تتمثل في هجرة الشباب والعمالة، وضعف الاستثمار، وتعقيد النظام الإداري. ولذلك فإن زيادة الاستثمارات الأميركية والأوروبية قد تكون أكثر أهمية للبلاد من أي مكسب سياسي قصير الأجل.

لكن العقبة الرئيسية تظل سياسية. فكلما بقيت الخلافات بين سراييفو وبانيا لوكا عميقة، أصبح من الصعب بناء استراتيجية اقتصادية موحدة أو جذب استثمارات طويلة الأجل على مستوى الدولة بأكملها.

ومن المتوقع خلال الأشهر المقبلة أن تزداد الضغوط الأميركية والأوروبية لمنع أي خطوات تؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة البوسنية، في مقابل استمرار قيادة جمهورية صرب البوسنة في توسيع علاقاتها الخارجية والاقتصادية.

وبالنسبة إلى البوشناق المسلمين، فإن المسألة لا تتعلق فقط بالهوية أو بذكريات الحرب، وإنما بمستقبل الدولة التي خرجت من الحرب على أساس نظام دايتون. فأي ضعف إضافي للمؤسسات المركزية قد يعيد إنتاج الاستقطاب الذي عانت منه البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية.

وفي المقابل، فإن نجاح سراييفو في جذب الاستثمارات وتطوير الطاقة والبنية التحتية وتعزيز علاقتها بواشنطن وبروكسل قد يمنحها أدوات اقتصادية جديدة للحفاظ على تماسك الدولة.

وبذلك تدخل البوسنة مرحلة اختبار مزدوج: الحفاظ على وحدتها السياسية من جهة، وتحويل موقعها الاستراتيجي في البلقان إلى مكاسب اقتصادية حقيقية من جهة أخرى. وإذا فشلت في المسار الأول، فإن مكاسب المسار الثاني ستظل محدودة؛ أما إذا نجحت في الجمع بينهما، فقد تصبح السنوات المقبلة فرصة لإعادة بناء الدولة على أساس اقتصادي ومؤسسي أكثر استقراراً.

المصادر: وكالة رويترز، 7 سبتمبر 2026؛ وكالة الأنباء الفيدرالية البوسنية FENA، 7 سبتمبر 2026؛ وزارة خارجية البوسنة والهرسك، 7 سبتمبر 2026؛ «الجزيرة»، 6 سبتمبر 2026؛ «الغارديان»، 7 سبتمبر 2026.

اترك تعليقا