البنوك المركزية بين فكي التضخم والركود
قذائف 2026 ليست مجرد أدوات عسكرية بل شرارة تحول بالسياسات النقدية
- السيد التيجاني
- 1 أبريل، 2026
- تقارير
- البنون المركزية, التضخم, الحرب علي ايران, الركود, الشرق الأوسط
لم تكن القذائف التي انطلقت في مطلع عام 2026 مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل كانت شرارة التحول الأكبر في السياسات النقدية العالمية منذ عقود. فبينما كانت المصارف المركزية الكبرى تتهيأ للاحتفال بالنصر على التضخم الذي أعقب الجائحة، جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتعصف بكل التوقعات، ناقلةً العالم من صراع على “أسعار الفائدة” إلى صراع وجودي على “البقاء الاقتصادي“.
لقد تحولت الجغرافيا السياسية إلى “صدمة عرض” متعددة الأبعاد، حيث لم يعد التضخم ناتجاً عن وفرة السيولة أو شراهة الاستهلاك، بل أصبح “تضخماً قسرياً” يفرضه واقع الميدان. هذه البيئة العدائية وضعت البنوك المركزية أمام معضلة تاريخية: هل تستمر في رفع الفائدة لتطويق الأسعار وتخاطر بانهيار النمو، أم تتراجع وتترك التضخم ينهش القوة الشرائية للشعوب؟
صدمة العرض ومعضلة “الأدوات العاجزة”
يؤكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، د. جاسم عجاقة، أن العالم يواجه اليوم وضعاً استثنائياً يتمثل في ارتفاع أسعار النفط الذي يغذي التضخم بشكل مباشر ومستمر. ويرى عجاقة أن الاستجابة التقليدية عبر تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة قد لا تجدي نفعاً في هذه الحالة؛ لأن المشكلة تكمن في “العرض” وليس في “الطلب”. فرفع الفائدة لن يفتح ممرات الملاحة المغلقة ولن يخفض كلف التأمين المرتفعة، بل قد يؤدي فقط إلى خنق الاستثمار وسحب السيولة من الأسواق التي تعاني أصلاً من الجفاف.
هذا التحول في طبيعة الضغوط السعرية جعل المصارف المركزية في وضع “الدفاع السلبي”، حيث تكتفي بمراقبة الشاشات الحمراء لأسواق الطاقة والسلع الأساسية، مع إدراك متزايد بأن الأدوات التي نجحت في عام 2023 قد تكون هي السم القاتل في عام 2026.
تغيير العقيدة النقدية: “الاستقرار المالي أولاً”
داخل أروقة البنوك المركزية، لم يعد الهدف هو خفض التضخم إلى مستويات 2% كما كان في السابق، بل أصبح الهدف هو منع انهيار النظام المالي برمته. ويشير الخبير الاقتصادي فراس شعبو إلى أن ترتيب الأولويات قد انقلب رأساً على عقب؛ حيث تصدر “الاستقرار المالي” قائمة الأهداف، متبوعاً بمحاولة احتواء التضخم، بينما تراجع “دعم النمو الاقتصادي” إلى ذيل القائمة.
ويوضح شعبو أن الخطر الأكبر لا يكمن في الحدث العسكري ذاته، بل في “انتقال العدوى” إلى ميزانيات البنوك. فارتفاع كلف الطاقة يؤدي إلى تضخم، ما يدفع عوائد السندات للارتفاع، وهذا بدوره يخفض قيمة السندات القديمة في محافظ البنوك، مما يولد خسائر دفترية هائلة قد تؤدي إلى موجة تعثر مصرفي عالمي إذا لم يتم التدخل بحذر.
أوروبا والولايات المتحدة: تباين في القدرة وتشابه في المصير
تتجلى هذه المعضلة بوضوح في الولايات المتحدة، حيث اختار رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي، جيروم باول، نهج التريث عند مستويات فائدة تتراوح بين 3.50% و3.75%. هذا الحذر يعكس رغبة واشنطن في عدم التسبب بركود ذاتي المنشأ، خاصة مع تقديرات “غولدمان ساكس” التي تشير إلى أن احتمالات الانكماش تقترب من 30% في ظل حالة عدم اليقين السائدة.
أما في القارة العجوز، فإن الوضع يبدو أكثر هشاشة؛ فالاتحاد الأوروبي الذي يعتمد بشكل عضوي على الطاقة المستوردة وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع “الركود التضخمي”. وحذر لويس دي جيندوس، نائب رئيسة البنك المركزي الأوروبي، من أن الضغوط النظامية الناتجة عن ترابط أسواق الطاقة والائتمان هي التحدي الأكبر. فقد سجلت عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات أعلى مستوياتها منذ أزمة 2011، مما يعني أن تكلفة تمويل الدول الأوروبية أصبحت تهدد الموازنات العامة وتحد من قدرة الحكومات على التدخل لدعم شعوبها.
الذهب كأداة “إطفاء حرائق” لا كخيار استراتيجي
في ظل تآكل السيولة بالعملات الصعبة، بدأت بعض البنوك المركزية في استخدام مخزونها من الذهب بطرق غير تقليدية. ويوضح الخبير فراس شعبو أن لجوء دول مثل تركيا لبيع كميات كبيرة من الذهب (50 طناً في أسبوع واحد) لا يعكس فقدان الثقة في المعدن الأصفر، بل هو “إعادة توظيف مؤقتة” لتأمين السيولة اللازمة للدفاع عن العملة المحلية وتمويل واردات الغذاء والدواء.
الحكومات اليوم تجد نفسها مضطرة للتضحية بـ “مخازن القيمة” الاستراتيجية من أجل تأمين الاحتياجات اليومية، وهو مؤشر خطير على مدى الضغط الذي تمارسه الحرب على الاحتياطيات النقدية الدولية، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تعاني من هروب رؤوس الأموال نحو الدولار القوي.
توقعات 2026: شبح “الركود التضخمي” يفرض كلمته
تشير الأرقام الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى تباطؤ حاد في النمو العالمي ليصل إلى 2.9%، بينما قد يستقر التضخم في دول مجموعة العشرين عند مستويات 4%. هذا السيناريو القاتم يعني أن العالم يدخل حقبة “النمو المفقود”، حيث تلتهم الأسعار المرتفعة أي زيادة في الدخل، بينما تظل الفوائد المرتفعة عائقاً أمام التوسع الصناعي.
ويرى د. جاسم عجاقة أن البنوك المركزية قد تضطر في نهاية المطاف إلى “القبول بتضخم أعلى” لفترة أطول كخيار أهون من التسبب في كساد عظيم. فالواقع الجديد يفرض التعايش مع تضخم بنسبة 4% أو 5% مقابل الحفاظ على استمرارية الشركات وتجنب طوابير البطالة المليونية.
عالم ما بعد الصدمة
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد اضطراب عابر في الأسواق، بل هو إعادة ضبط كاملة للنظام الاقتصادي العالمي. حرب إيران أثبتت أن السياسة النقدية ليست جزيرة معزولة، بل هي رهينة لخطوط أنابيب النفط وممرات السفن. وفي ظل هذا المشهد، تظل البنوك المركزية “حائط الصد الأخير” أمام فوضى مالية شاملة، لكن قدرتها على المناورة تضيق يوماً بعد يوم، ما لم تضع السياسة أوزارها وتعود لغة الدبلوماسية لتفتح ممرات التجارة الموصدة.