الانقسامات في إسرائيل بين أزمة التجنيد وصراع الهوية
أزمة تجنيد الحريديم: نقطة الاشتعال الرئيسية
- dr-naga
- 16 أبريل، 2026
- تقارير
- أزمة التجنيد, أزمة تجنيد الحريديم, إسرائيل, الانقسامات, الانقسامات في إسرائيل, الجماعات الدينية في إسرائيل, العلمانية, صراع الهوية
يشهد المجتمع الإسرائيلي توترات غير مسبوقة بين الجماعات الدينية المتشددة والمعسكر العلماني واليساري، في ظل خلافات عميقة حول قضايا الهوية الوطنية والتجنيد الإلزامي ودعم الحكومة الحالية، مما أثار تحذيرات من تحول هذه الانقسامات إلى صراعات حادة أو حتى اقتتال داخلي.
الجماعات الدينية في إسرائيل: خريطة التيارات والمواقف
يتكون المجتمع الإسرائيلي من مجموعات إثنية وتيارات فكرية متعددة، أبرزها الحريديم أو اليهود المتدينون المتشددون، الذين يمثلون نحو أربعة عشر بالمئة من السكان، ويتوزعون بين مدارس فكرية أشكنازية غربية وسفاردية شرقية. ويعيش الحريديم في معازل سكنية خاصة، ويرفضون منهج الحياة الغربي، ويكرسون وقتهم لدراسة التوراة، ويرون أن الخدمة العسكرية تبعد شبابهم عن ممارساتهم الدينية.
ومنذ إقامة دولة إسرائيل عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، برز الخلاف الواضح بين القوى العلمانية والحريديم في قضية التجنيد الإلزامي، حيث توصل رئيس الحكومة آنذاك دافيد بن غوريون مع زعامات الحريديم إلى استثنائهم من الخدمة العسكرية، وهو إعفاء ما زال معمولاً به حتى اليوم.
أزمة تجنيد الحريديم: نقطة الاشتعال الرئيسية
عادت قضية تجنيد الحريديم إلى الواجهة بقوة بعد الحرب على غزة، حيث طالبت أحزاب علمانية رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بفرض التجنيد على الحريديم، معتبرة ذلك من باب المسؤولية الوطنية والمشاركة في تحمل أعباء الحرب. وترفض المحكمة العليا الإسرائيلية تشريعات تمنح الحريديم إعفاءً رسمياً من الخدمة العسكرية، معللة ذلك بأنه ينطوي على تمييز في المعاملة بين الإسرائيليين.
وبحسب معطيات مراقب الدولة الإسرائيلي، فإن عشرة بالمئة فقط من المرشحين للخدمة العسكرية في صفوف الحريديم يتجندون للجيش، في حين تقول معطيات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إن واحد فاصل سبعة بالمئة فقط من الحريديم من الشريحة العمرية بين عشرين وأربعة وعشرين عاماً تجندوا في الجيش.
وفي يونيو ألفين وخمسة وعشرين، أسفرت مناورة كتلتي الحريديم في الكنيست، بالتهديد بحل البرلمان أو ضمان قانون تجنيد مقبول، عن إطالة عمر الحكومة والكنيست أشهراً عديدة، لكنها تسببت في انشقاق داخل تحالف الحريديم الأشكناز لأول مرة منذ ثلاثة وثلاثين عاماً.
تصريحات مسؤولين إسرائيليين حول الأزمة
حذر أفيغدور ليبرمان وزير الخارجية الأسبق وزعيم حزب إسرائيل بيتنا، من أن الجيش الإسرائيلي يمر بأخطر أزمة نقص في القوى البشرية في تاريخه، مؤكداً أن الحل الوحيد يكمن في تجنيد الجميع دون استثناء.
وقال زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لابيد في بيان متلفز إن الجيش الإسرائيلي بلغ أقصى طاقته وأكثر، والحكومة تترك الجيش ينزف في ساحة المعركة، متهماً الحكومة بإقحام الجيش في حرب متعددة الجبهات من دون إستراتيجية ومن دون الوسائل اللازمة ومع عدد قليل جداً من الجنود.
وحذر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير من أن الجيش يتجه نحو الانهيار من الداخل نتيجة تصاعد الأعباء العملياتية وعدم إقرار قوانين التجنيد والخدمة العسكرية.
أما رئيس حزب معسكر الدولة بيني غانتس، فقد حذر من اندلاع حرب أهلية في إسرائيل بسبب سياسات حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، معتبراً أن الانقسامات الداخلية تضع إسرائيل على عتبة انهيار داخلي.
تحذيرات محللين وكتاب من حرب أهلية
كتب البروفيسور يديديا شتيرن رئيس معهد سياسة الشعب اليهودي أن قرارات الحكومة تشعل الجبهة الداخلية الثامنة وهي إسرائيل ضد إسرائيل، وكأنها تقطع اللحم الحي أثناء الحرب، مؤكداً أن هذه السياسة تثير عواقبها قلقاً هائلاً وإحساساً واضحاً بالطوارئ بين غالبية الجمهور الإسرائيلي.
واعتبر الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين يتسحاق يوسف أن إجبار الحريديم على الخدمة العسكرية سيدفعهم لمغادرة البلاد، مضيفاً أن العلمانيين يضعون الدولة على المحك.
وحذر حاييم تومار المسؤول الكبير السابق في معهد الاستخبارات والعمليات الخاصة من أن مؤشرات التساؤلات الخطيرة متزايدة، ومن شأنها أن تقود الدولة إلى حافة تغيير خطير يؤثر بشكل كبير عليها.
وتوقع أورين كانيل رئيس شركة آبس فلاير التكنولوجية أن إسرائيل تواجه تهديداً وجودياً ليس من الخارج هذه المرة بل من الداخل، لأن الخطر الحقيقي على مستقبلها هو فقدان الثقة بها.
آراء محللين حول إمكانية استغلال الانقسامات
يرى الدكتور محمد المسفر الباحث في الشؤون الإسرائيلية أن على الدول العربية توجيه رسائل واضحة لإسرائيل والولايات المتحدة بوقف الحرب وحماية المصالح الحيوية في المنطقة، مشدداً على أن الموقف العربي الموحد هو السبيل الأمثل للتأثير.
وكتب موقع ذا كريدل أن الحل الحاسم للدول العربية يكمن في التغلب على انقساماتها الداخلية وتشكيل جبهة موحدة لممارسة النفوذ على العالم وإسرائيل، مشيراً إلى أن توافر العناصر اللازمة لهذا التحرك يبقى رهناً بالإرادة السياسية العربية.
وحذر مركز مدار للدراسات الإسرائيلية من أن أي محاولة خارجية للتدخل في الشؤون الإسرائيلية قد تعطي نتائج عكسية، وتعزز من تماسك الأطراف المتنازعة داخلياً ضد عدو خارجي مشترك.
وأشارت دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن الانقسام الداخلي يؤثر بشدة على قدرة إسرائيل على مواجهة التهديدات الخطيرة التي تواجهها، مما قد يفتح مجالاً لضغوط إقليمية ودولية.
توقعات حول مستقبل الصراع الداخلي
تتجه إسرائيل في هذه المرحلة بخطى أكبر نحو صدام من نوع آخر بين العلمانية والأصولية المتزمتة، حيث تشير سلسلة من التقارير إلى أن جمهور الأصوليين في إسرائيل ستصل نسبته في غضون اثني عشر إلى خمسة عشر عاماً إلى أكثر من أربعة وعشرين بالمئة من اليهود في إسرائيل.
وتتوقع تقديرات أن نسبة التكاثر بين هذا الجمهور تنافس النسبة بين العرب، وتشير إلى أنهم يتكاثرون بنسبة أربعة بالمئة سنوياً، في حين أن إجمالي نسبة التكاثر بين اليهود في إسرائيل هي في حدود اثنين بالمئة.
ويعتبر محللون أن هؤلاء الحريديم سيشكلون لاحقاً قوة سياسية أكبر من اليوم، ومجندة أكثر من غيرها، ولكن الأهم على المستوى الاستراتيجي أن هؤلاء سيزيدون العبء الاقتصادي وحتى العسكري، وذلك لأن نسبة المشاركين في سوق العمل في إسرائيل من بين الحريديم هي الأدنى إطلاقاً.
مواقف المحللين ومراكز الأبحاث
أكد مركز الزيتونة للدراسات أن الصراع الديني العلماني في إسرائيل له جذور تاريخية عميقة، وأن أي حل لهذه الأزمة يتطلب إعادة تعريف علاقة الدين بالدولة في السياق الإسرائيلي.
وخلص تقرير لمؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن العلاقة بين المتدينين والعلمانيين في إسرائيل ستظل علاقة جدلية بين الوحدة والصراع، نظراً للطبيعة المركبة للهوية الإسرائيلية التي تجمع بين البعد الديني والبعد القومي العلماني.
ورأى مركز أبعاد للدراسات أن الانقسامات الداخلية في إسرائيل تمثل نقطة ضعف استراتيجية، لكن استغلالها يتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة هذه الانقسامات وحدودها.
خاتمة: تظل الانقسامات الداخلية في إسرائيل بين الجماعات الدينية والعلمانيين واليساريين عاملاً مؤثراً في استقرار الدولة العبرية، خاصة في ظل أزمة التجنيد الإلزامي والخلافات حول دعم الحكومة الحالية. ورغم التحذيرات من احتمالات تصاعد التوتر، فإن طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي وقدرته على احتواء الأزمات تجعل من احتمال الاقتتال الداخلي سيناريو غير مرجح في المدى المنظور. وبالنسبة للدول العربية، فإن الاستفادة من هذه الانقسامات تتطلب استراتيجية مدروسة تعتمد على الوحدة الداخلية والفهم العميق للديناميكيات الإسرائيلية، بعيداً عن الرهانات على انهيار تلقائي من الداخل.
المصادر: الجزيرة نت، تي آر تي عربي، العربي الجديد، مركز مدار للدراسات الإسرائيلية، ذا كريدل، الأناضول، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، مركز الزيتونة، عربي بوست، صحيفة هآرتس، صحيفة يديعوت أحرونوت، صحيفة معاريف، قناة 12 الإسرائيلية، موقع زمن إسرائيل.
—مستفاد من تقنية الذكاء الاصطناعي