الإيرانيون ماهرون في التفاوض

د. تقادم الخطيب يكتب

هناك خبر لم يلتفت إليه كثيرا ولم يأخذ حقه من التحليل، وهو رفض الإيرانيين لإعادة التفاوض مع ويتكوف وكوشنر، وطلب أن يكون التفاوض، لو حدث، مع نائب الرئيس جي دي فانس، وفي رأيي هذا الأمر، يعكس عمقا وفهما لدي الجانب الإيراني لا يقل مهارة وقوة عن المجال الميداني أو الإعلامي.

إيران قالت إن ويتكوف وكوشنر عملاء للموساد، ونحن نريد التفاوض مع نائب الرئيس (جي دي فانس). إيران لم تختر نائب الرئيس عبثا، بل عن خبرة ودراية بالتحولات السياسية داخل الولايات المتحدة، خاصة داخل بعض دوائر اليمين الأمريكي.

جي دي فانس (نائب ترامب) ذو الخلفية الكاثوليكية، ينتمي لتيار يمكن وصفه بتيار مسيحي قومي لا ينطلق من المسيحية الصهيونية التقليدية ولا يتبنى التزاما لاهوتيا مطلقا تجاه إسرائيل، ولا يتبنى الرؤية الإنجيلية للمسيحية الصهيونية؛ لكنه يطرح تصورا يعتبر أن للولايات المتحدة دورا وصائيا/استعماريا مفترضا تجاه المسيحيين في الشرق والعالم الإسلامي، بل وحتى في السياق المرتبط بإسرائيل نفسها، مع خطاب نقدي يسعى إلى مساءلة سياسات بنيامين نتنياهو وإعادة تعريف طبيعة العلاقة القائمة.

هذا الاتجاه يتبني بكل وضوح خطاب يستند في مرجعيته على ذاكرة الحروب الصليبية الأوروبية ونماذج الوصاية والامتيازات الأجنبية في القرنين الثامن والتاسع عشر.

وفي هذا السياق يبرز ستيف بانون كحليف فكري وسياسي، حيث نسبت إليه تصريحات تفيد بأن الصراع اليهودي/الإسلامي حول القدس يترك المسيحية بلا تمثيل سيادي، وهو طرح يفهم منه أن المقدسات المسيحية، ومدينة القدس تحديدا، ينبغي أن تكون ضمن إطار سيادي مسيحي تقوده الولايات المتحدة، وهو خطاب يستحضر في رمزيته التاريخية نموذج مملكة بيت المقدس، حتى وإن لم يُطرح كمشروع مؤسسي معلن..

ومن هنا يمكن فهم رهان إيران: فهي لا تسعى فقط إلى التفاوض، بل إلى اختيار الطرف الذي قد يكون أقل ارتباطًا بالمحددات التقليدية للدعم المطلق لإسرائيل.

بناء على ذلك، يبدو أن إيران تحاول توظيف هذه التباينات لفرض مزيد من الضغوط السياسية على حكومة بنيامين نتنياهو، والسعي إلى تحييد نفوذها داخل عملية صنع القرار الأمريكي، انطلاقًا من قناعة بأن إسرائيل كانت المحرك الأساسي للتصعيد.

باختصار، ما يجري ليس مجرد اختيار لوسيط تفاوضي، بل محاولة إيرانية ذكية للعب على التناقضات داخل النظام السياسي الأمريكي، وتوسيع هامش المناورة في معركة تتجاوز بعدها الميداني إلى مستويات أكثر تعقيدًا في السياسة الدولية.