الإمام ابن تيمية يكتب: الولاية لها ركنان.. القوة والأمانة

من كتاب الإمام: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، كما قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾،

وقال يوسف عليه السلام:

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.

والقوة في كل ولاية بحسبها. فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك، كما قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾.

وقال النبي ﷺ: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا»، وفي رواية: «فهي نعمة جحدها».

والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.

والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وترك خشية الناس. وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حاكم على الناس في قوله تعالى:

﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

فإذا عرف أن الولاية لها هذان الركنان، عرف أن من ولي أمرًا من أمور المسلمين فلا بد أن يكون فيه قوة على ذلك الأمر وأمانة عليه.

فالقوة بلا أمانة تفضي إلى الظلم والفساد، والأمانة بلا قوة تفضي إلى العجز والتضييع، ولا تصلح الولاية إلا باجتماعهما، أو بوجود ما يغلب منهما بحسب تلك الولاية.

ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة. وهذا من فقه عمر رضي الله عنه، فإنه عرف أن قوة الفاجر القوي للمسلمين وفجوره على نفسه، وأن أمانة الثقة العاجز لنفسه وعجزه على المسلمين، فالكمال أن تجتمع في الوالي قوة القوي وأمانة الثقة.

وهذا هو الميزان الذي توزن به الرجال للولايات: فمن كملت فيه القوة والأمانة قدم على كل أحد، ومن نقص فيه أحد الركنين نظر فيمن هو أنفع للولاية فقدم عليها.

فمن أراد أن يولي على عمل من أعمال المسلمين فليطلب له الأصلح بحسبه، فإن الأصلح في إمارة الحرب ليس كالأصلح في القضاء، ولا الأصلح في جباية الأموال كالأصلح في قيادة الجند، وإنما ينظر في كل منصب إلى ما يحتاج إليه من القوة والأمانة.

مقال من كتاب الإمام: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

اترك تعليقا