الأمراض غير السارية..فاتورة صحية تثقل ميزانيات الدول
في ظل اتجاه الحكومات إلى برامج الوقاية للحد من الخسائر الاقتصادية
- معاذ الجمال
- 22 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد, الاقتصاد العالمي, رأس المال البشري, منظمة الصحة العالمية
بينما تتغير عادات البشر بفعل “التكنولوجيا” و”العمل المكتبي” و”انتشار الأطعمة السريعة”، ارتفعت معدلات الإصابة بـ”السمنة” و”السكري” و”أمراض القلب”، لتتحول خيارات يومية بسيطة إلى أزمة اقتصادية تدفع الحكومات ثمنها عبر مليارات الدولارات التي تُنفق سنويًا على العلاج والرعاية الصحية، وباتت هذه الأمراض تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على تحقيق التوازن، بين الإنفاق على علاج المرض والاستثمار في الوقاية، خاصة مع ارتفاع متوسط الأعمار، وزيادة أعداد المصابين بالأمراض المزمنة.. القضية هنا لم تعد مرتبطة بصحة الأفراد فقط، بل أصبحت تمس الإنتاجية وسوق العمل والنمو الاقتصادي، ما جعل الصحة العامة أحد الملفات الأساسية في الخطط الاقتصادية للدول.
عبء مالي يتوسع داخل الموازنات العامة..
تشير “منظمة الصحة العالمية”، إلى أن “الأمراض غير السارية” (وهي الأمراض التي لا تنتقل من شخص إلى آخر عن طريق العدوى)، تتسبب في نحو “43 مليون” حالة وفاة سنويًا، أي ما يقارب (74%) من إجمالي الوفيات عالميًا، وتشمل بشكل رئيسي “أمراض القلب” و”الأوعية الدموية”، و”السرطان”، و”أمراض الجهاز التنفسي المزمنة”، و”السكري”، وترى “المنظمة” أن جزءًا كبيرًا من هذه الأمراض يرتبط بعوامل يمكن الحد منها، مثل “سوء التغذية”، و”قلة النشاط البدني”، و”التدخين”.
لا تقتصر تداعيات هذه الأمراض على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الاقتصاد من خلال “ارتفاع تكلفة العلاج”، و”الحاجة إلى أدوية مستمرة”، و”زيادة الطلب على خدمات الرعاية طويلة الأمد”، فـ”مرض السكري” على سبيل المثال، يعد نموذجًا واضحًا لحجم الضغوط المالية، إذ يقدر “الاتحاد الدولي للسكري”، أن الإنفاق العالمي المرتبط بالمرض ومضاعفاته يصل إلى مئات المليارات من الدولارات سنويًا، مع استمرار ارتفاع أعداد المصابين، كما يواجه الاقتصاد خسائر غير مباشرة نتيجة تراجع إنتاجية العاملين، وخروج بعض المرضى من سوق العمل مبكرًا بسبب المضاعفات الصحية، ويؤكد “البنك الدولي” أن انتشار الأمراض المزمنة أصبح من العوامل التي تعيق التنمية، خصوصًا في الدول النامية التي تواجه تحديات تمويلية في أنظمة الرعاية الصحية.
تحول في أولويات الإنفاق الصحي..
بدأت الحكومات في إعادة النظر في طريقة التعامل مع تلك الأمراض، حيث أصبح التركيز على الوقاية جزءًا أساسيًا من السياسات الصحية والاقتصادية، فبدلًا من انتظار ظهور المرض وتحمل تكاليف علاجه، تتجه الدول إلى برامج تستهدف السلوكيات السليمة والصحية، مثل التشجيع على “النشاط البدني بمختلف صوره”، و”تحسين جودة الغذاء”، و”نشر الوعي بمخاطر السمنة والسكري”، كما تؤكد “منظمة الصحة العالمية”، أن “الاستثمار في الوقاية” من العوامل الرئيسية التي يمكن أن توفر مبالغ ضخمة كانت ستُنفق لاحقًا على علاج المضاعفات.
كما تشير “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، إلى أن السياسات الوقائية لا تقلل الإنفاق الصحي فقط، بل تساهم أيضًا في رفع إنتاجية المجتمع وتحسين جودة الحياة، ولهذا أصبحت مكافحة الأمراض غير السارية، والمعتمدة اعتماد كامل على أنماط الحياة غير السليمة، قضية تتجاوز وزارات الصحة لتشمل قطاعات التعليم والتخطيط العمراني والصناعة الغذائية، فتصميم مدن تشجع على الحركة، وتوفير خيارات غذائية صحية، ووضع سياسات تحد من انتشار المنتجات الضارة، كلها إجراءات تنظر إليها الحكومات باعتبارها استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري، ولذلك.. فإن مواجهة هذه الأمراض، أصبحت ضرورة اقتصادية؛ لأن “تكلفة الوقاية اليوم” أقل بكثير من “فاتورة العلاج غدًا”، وحماية صحة المواطنين أصبحت جزءًا أساسيًا من حماية اقتصاد الدول واستدامة نموها.
