الأقليات المسلمة.. اضطهاد طائفي وقهر سياسي

فرز عنصري ضد المسلمين في أوروبا

منذ أن شهدت بعض البلدان العربية حروباً طويلة مثل سوريا فقد شكلت أزمة لجوء السوريين إلى أوروبا ميزاناً كشفت فيه عن تنصل هذه الدول وبشكل رسمي تجاه هذه الكارثة الإنسانية، وهو ما يجعلها لا تقل شأناً عما تفعله الاحزاب الراديكالية من فرز عنصري ضد المسلمين.

وحين اضطر آلاف السوريين للهروب من الحرب والتوجه عبر البحار إلى شواطئ اليونان وإيطاليا واجه من نجا من الغرق منهم إغلاق دول أوروبا لحدودها، ثم حاول الاتحاد الأوروبي، بعد أن تفاقم مستوى اللجوء السوري، التوجه نحو توزيع بعض اللاجئين على بقية الدول الأوروبية، وحرمان الملايين وإرجاعهم إلى تركيا.

وعلى الرغم من قبول الاتحاد الأوروبي اللاجئين وتوزيعهم على الدول إلا أن العنصرية ظهرت بشكل واضح في تلك الدول تجاه السوريين المسلمين، وجعلت معايير قبول اللاجئين تخص النصارى ولا تشمل المسلمين.

فدولة سلوفاكيا أعلنت بشكل رسمي بعد أن عارضت توزيع اللاجئين السوريين على دول الاتحاد الأوروبي أعلنت أنها ستستقبل النصارى فقط من اللاجئين السوريين، وتذرعت بأن بلادهم لا يوجد فيها مساجد للمسلمين وأنهم سيواجهون صعوبة في التأقلم بالبلد.

ويبرز التمييز الديني ضد المسلمين بشكل أكبر في فرنسا إذ لا زالت هذه الدولة ترفض بشكل رسمي الاعتراف بالمجموعات العرقية وتصر على ضرورة أن يتشرب المهاجرون إليها بالثقافة الفرنسية وهي ممارسة واضحة لعدم الاعتراف بحقوق المسلمين ما لم يندمجوا بالثقافة الفرنسية.

هذا التوجه في فرنسا اضطر البعض من ضعاف المهاجرين إلى التنصر حتى يتفادون الضغوطات الرسمية والمجتمعية، لكن من بقي على إسلامه يجد صعوبة في الاندماج.

وكذلك دولة التشيك لا تبدو أحسن حالاً تجاه المسلمين؛ فقد أعلن رئيسها أن بلاده لا تستقبل اللاجئين المسلمين لا سيما القادمين من بلدان شمال إفريقيا بحجة الفوارق الثقافية، وأما في النمسا فهي أول دولة أوروبية تصرح بشكل علني عن عدم استقبالها للاجئين السوريين المسلمين ولكن ستتم استضافة السوريين النصارى، ويسود هذا التوجه أيضاً لدى السياسيين النمساويين دون الاعتبارات الحقوقية التي تعتبر هذا الفعل جزءاً من الفرز العنصري وفقاً للقوانين الدولية.

ولا يبدو أن التوجه العام الأوروبي عفوياً تجاه هذه الانتقائية في استقبال اللاجئين السوريين وتقليص مساحات حق اللجوء الإنساني لكل من هو مسلم؛ ولكن جاءت ضمن ظاهرة “رهابية” لدى الأوروبيين من تنامي عدد المسلمين وانتشار الإسلام على نطاق الرقعة الأوروبية، إذ يعتبر الإسلام وفقاً لتقارير الدين الثاني في فرنسا.

اللاجئين المسلمين 

في حين أن اللاجئين المسلمين الذين ذهبوا لدول أوروبا تعرضوا لهذا الفرز العنصري رغم تجريم القوانين الدولية لهذا الفرز بحسب الدين؛ فإن سكان أوروبا المسلمين أنفسهم تعرضوا لأكثر من مجرد استلاب حقوقهم إلى عمليات السجن والقتل في بعض الحالات، كما حدث في فرنسا بالتزامن مع حادثتي “تشارلي إيبدو” وهجمات باريس الأخيرة 13 نوفمبر 2015م.

ورغم العنف المضاد الذي تعرض له المسلمون في أغلب الدول الأوروبية إلاّ أن فرنسا تصدرت أكثر الدول الأوروبية والغربية عنفاَ تجاه المسلمين، رغم أن المسلمين أدانوا تلكما الحادثتين وأنهما لا تعبران عنهم، لكن ربما الشحن الطويل والتحريض ضد المسلمين أعطى لهم هذه الأحداث فرصة للانتقام أكثر؛ فشنت السلطات الفرنسية حملات أمنية كان ضحيتها بعض المسلمين.

وسَعت فرنسا إلى اعتماد بعض القوانين ضد المسلمين منها تجريم ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والهيئات الحكومية المختلفة، وفرض قانون حظر الصلاة في الشوارع والساحات العامة وأمام المساجد، إضافة إلى الحملات المناهضة للعرب مثل “أيها العرب اذهبوا بعيداً”، ودعوة زعيمة اليمين المتطرف “ماري لو بان” إلى إعادة النظر في عقوبة الإعدام ووضع قيود مشددة بهدف محاربة الأصولية الإسلامية.

وفي ألمانيا، وعقب أحداث باريس، انتجت حملات وتظاهرات ضد المسلمين إلى مقتل مهاجر إرتيري، وهذه المظاهرات هي التي قادتها حركة تدعى “بيديغا” والتي تعني “أوروبيون وطنيون مناهضون لأسلمة الغرب”، وقد فتحت لها فرعاً في إسبانيا في ظل التواطؤ الرسمي مع توجهاتها العنصري على المسلمين.

ويزداد الانتساب إلى هذه الحركة في ألمانيا وأعلنت في إسبانيا في أول ظهور لها أنه “لا يوجد للإسلام مكان في المجتمعات الحرة والديمقراطية مثل أوروبا”، وهو ما يجعل وجود المسلمين في هذه الدول مهدداً في قادم الأيام لا سيما إذا استمر التحريض والتواطؤ الرسمي تجاه هذه الحركة.

وفي بريطانيا لم تكن في السابق تشهد فرزاً عنصرياً تجاه المسلمين لكن في السنوات الأخيرة لا سيما عقب أحداث باريس تعرض المسلمون فيها إلى اعتداءات وحملات كراهية حسب ما أظهرته دراسات نشرت العام المنصرم، حيث سجلت 734 جريمة كراهية بين عامي 2013 – 2014، منها 23 اعتداءً و 13 هجوماً عنيفاً و 56 هجوماً على مساجد، ومئات الإساءات عبر الإنترنت.

وتأتي هذه الأحداث بالتزامن مع دراسة رسمية صادرة عن السلطات البريطانية، نشرت العام المنصرم، تعتبر أي منتسب لـ “جماعة الإخوان المسلمين” في بلادها يعتبر محط شبهة في “الإرهاب”، وهذه أول مرة تُصدر السلطات البريطانية مثل هذا النوع من التقارير السابق من نوعه رغم أن البعض اعتبر هذه الدراسة جاءت بدوافع وبالتنسيق مع دول عربية تتجه نحو وضع هذه الجماعة ضمن “الإرهاب” وهو في الأصل ينعكس سلبياً على كل الجاليات المسلمة في بريطانيا.

إذا ما استمر هذا الفرز العنصري تجاه المسلمين ودخوله ضمن سياسة تلك الدول فسيظهر حجم الكارثة التي سيعانيها المسلمون في قادم الأيام، وربما يصبح العنف ضد المسلمين ثقافة متجذرة.