اقتصاد الانتباه.. سر الإدمان الرقمي
فراس عبد العزيز حوراني يكتب
- dr-naga
- 13 نوفمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- اقتصاد, اقتصاد الانتباه, اقتصاد الموارد, الإدمان الرقمي, الصيام الرقمي, فراس عبد العزيز حوراني, وسائل التواصل الاجتماعي
- اقتصاد الانتباه.. السلعة الأغلى في عصر الوفرة
هل تساءلت يوما: ما أثمن ما تملكه في هذا العصر المترف بالوفرة؟ تتلاعب بك شاشة هاتفك بين فيديوهات “تيك توك” الخاطفة وأخبار “فيسبوك” المتناثرة، وتمضي الساعات وأنت تتنقل بين المنصات، لتكتشف في النهاية أنك لا تتذكر معظم ما شاهدت، وأن مهامك المؤجلة ما زالت تنتظر. في هذه اللحظة بالذات، تكون قد دفعتَ ثمنا باهظا دون أن تدري؛ لقد أنفقتَ سلعتك الأثمن: انتباهك.
ما كان يوما موردا شخصيا بحتا، أصبح اليوم محور معركة خفية تدور رحاها على منصات التواصل الاجتماعي! إنه عصر اقتصاد الانتباه، أو “اقتصاد الاهتمام” كما يسميه البعض.
عندما تشاهد محتوى “مجانيا”، فأنت لا تستخدم منتجا مجانيا، بل أنت المنتج نفسه، وانتباهك هو العملة التي تدفعها!
من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الانتباه
لطالما عُرف الاقتصاد بأنه علم يُعنى بتوزيع الموارد النادرة كالمساكن والغذاء والأموال، لكننا اليوم أمام معادلة جديدة: إذا كانت المعلومات متاحة بلا حدود، فما المورد المحدود إذن؟ إنه انتباهنا، ذلك المورد غير الملموس الذي لا ندرك قيمته إلا عندما نفقده بين الشاشات.
يعرّف علماء النفس الانتباه بأنه “تركيز الموارد الذهنية على محفزات محددة”، أي تلك الطاقة التي تمنحها لفيديو على “يوتيوب”، أو لصورة على “فيسبوك”، أو لتعليق على “تيك توك”. والمشكلة أن هذه الطاقة محدودة؛ فكل دقيقة تمنحها لمحتوى ما، تُنتزع من شيء آخر قد يكون أكثر أهمية.
كان عالم الاقتصاد الحائز “نوبل” هيربرت سايمون أول من أشار إلى أن “وفرة المعلومات تخلق فقرا في الانتباه”. وقد تحولت هذه الفكرة إلى واقع نعيشه؛ إذ تتنافس المنصات على وقتك، وتُصمَّم خوارزمياتها لإطالة مدة بقائك، لأن كل ثانية إضافية تعني إعلانات أكثر وإيرادات أعلى.
وباختصار شديد.. عندما تشاهد محتوى “مجانيا”، فأنت لا تستخدم منتجا مجانيا، بل أنت المنتج نفسه، وانتباهك هو العملة التي تدفعها!
الخطر الحقيقي ليس في منح انتباهنا، بل في إهداره دون وعي. تشير الدراسات إلى أن العودة للتركيز بعد مقاطعة بسبب إشعار هاتفي قد تستغرق نحو 23 دقيقة
عندما يتحول الانتباه إلى أرقام
في عالمنا العربي، أصبحت ثقافة “اللايكات” والمتابعين هوسا اجتماعيا؛ إذ يتسابق المشاهير والعامة في جمع الأرقام، وتقيس العلامات التجارية نجاحها بعدد المشاهدات والتفاعلات، بغض النظر عن الجودة أو الأثر الحقيقي.
وبما أن وجودنا على وسائل التواصل الاجتماعي يُقاس بالأرقام (عدد “الأصدقاء”، “المتابِعين”، “الإعجابات”، “المشتركين”)، فإن المقارنة تصبح سهلة ومغرية.
تعمل منصات مثل “يوتيوب” و”فيسبوك” و”تيك توك” على تحويل الانتباه إلى سلعة عبر ثلاث آليات رئيسية:
- القياس الكمي: تُترجم الثواني والدقائق التي تقضيها في المشاهدة إلى “دقائق مشاهدة”، وتتحول نظرات العين والإعجابات إلى “معدلات”، والتفاعل العاطفي إلى “مشاركات” و”تعليقات”.
- التجميع: تُجمع هذه البيانات على مستوى ملايين المستخدمين لتتحول إلى مؤشرات جماعية مثل “عدد المستخدمين النشطين يوميا” (DAU)، وتُحلَّل عبر خوارزميات متقدمة لتحديد أنماط السلوك.
- التسييل: تتحول هذه المؤشرات إلى عروض أسعار للمعلنين في مزادات رقمية فورية، حيث يصبح سعر الانتباه قابلا للحساب، بدقة من خلال تحديد “المبلغ الذي يدفعه المعلن مقابل كل ألف ظهور للإعلان” (CPM – Cost Per Mille). وهكذا تتحول ثوانٍ من انتباهك إلى أرباح بمليارات الدولارات، كما في إيرادات “ميتا” التي بلغت 134 مليار دولار عام 2023.
تؤكد دراسات حديثة على التكاليف الاجتماعية والصحية لاستهلاك انتباهنا، من تراجع المهارات الاجتماعية وتفكك الروابط الأسرية، إلى اضطرابات النوم والسمنة وآلام الرقبة والظهر
الثمن الخفي: ماذا نخسر عندما نمنح انتباهنا؟
الخطر الحقيقي ليس في منح انتباهنا، بل في إهداره دون وعي. تشير الدراسات إلى أن العودة للتركيز بعد مقاطعة بسبب إشعار هاتفي قد تستغرق نحو 23 دقيقة.
فعندما تفتح “تيك توك” أو “إنستغرام”، تظن أنك تحصل على خدمة مجانية، لكنك في الواقع تشارك في صفقة غير مرئية: تمنحهم انتباهك، ويمنحونك المحتوى، وغالبا ما تكون أنت الطرف الخاسر.
بحسب دراسة أجرتها جامعة هارفارد عام 2023، فإن الإفراط في استخدام المنصات يؤدي إلى:
- تراجع القدرة على التركيز العميق: انخفض متوسط فترة تركيز الإنسان من 12 ثانية عام 2000 إلى 8.2 ثوانٍ عام 2023، أي أقل من تركيز السمكة الذهبية (9 ثوانٍ!).
- ضعف الذاكرة العاملة: انخفاض بنسبة 30% لدى المستخدمين المفرطين مقارنة بالمعتدلين.
- تشتت الانتباه المزمن: تعوّد الدماغ على التبديل السريع بين المهام يقلل كفاءته في معالجة المعلومات المعقدة.
- القلق والاكتئاب: تقرير منظمة الصحة العالمية (2023) أشار إلى زيادة معدلات القلق بنسبة 45% والاكتئاب بنسبة 37% بين الشباب مع ارتفاع زمن الاستخدام.
- التقليل من الذات: 68% من المستخدمين يشعرون أن حياتهم أقل إثارة مما يرونه على المنصات.
- الإدمان الرقمي: بات يُصنَّف كاضطراب سلوكي يحتاج إلى علاج متخصص.
إضافة إلى ذلك، تؤكد دراسات حديثة التكاليف الاجتماعية والصحية لاستهلاك انتباهنا، من تراجع المهارات الاجتماعية وتفكك الروابط الأسرية، إلى اضطرابات النوم والسمنة وآلام الرقبة والظهر.
بحسب دراسة جامعة بنسلفانيا (2023)، أثبت الصيام الرقمي فاعليته في تحسين جودة النوم، وخفض التوتر، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز العلاقات الاجتماعية
كيف نحمي أنفسنا؟.. “الصيام الرقمي” في مواجهة “اقتصاد الانتباه”
في زمن أصبح فيه انتباهنا سلعة ثمينة تُباع وتُشترى، يبرز الصيام الرقمي كوسيلة لاستعادة السيطرة على عقولنا ووقتنا.
الصيام الرقمي ليس مقاطعة تامة للتكنولوجيا، بل ممارسة واعية لتقليل الوقت أمام الشاشات وتوجيه الانتباه نحو أنشطة أكثر قيمة.
أظهرت دراسة في مجلة “العلوم النفسية” أن الامتناع عن وسائل التواصل لمدة أسبوع حسَّن التركيز بنسبة 25% وقلل القلق بنسبة 38%.
وتقترح الأبحاث طرائق متنوعة لتطبيقه:
- الصيام اليومي: تخصيص ساعات محددة خالية من الشاشات، خصوصا أثناء الوجبات والساعة التي تسبق النوم.
- الصيام الأسبوعي: تخصيص يوم واحد في الأسبوع للراحة الرقمية.
- الصيام الموسمي: عطلة رقمية تمتد أسبوعا كل ثلاثة أشهر لإعادة ضبط العادات.
وبحسب دراسة جامعة بنسلفانيا (2023)، أثبت الصيام الرقمي فاعليته في تحسين جودة النوم، وخفض التوتر، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز العلاقات الاجتماعية.
ويقول الخبير الرقمي نير إيال: “لا يكفي أن تعرف كيف تستخدم التكنولوجيا، بل يجب أن تعرف كيف تتوقف عن استخدامها”.
الفهم الواعي لهذه الخسائر هو الخطوة الأولى نحو استعادة السيطرة على أغلى مواردنا
علينا أن ندرك أن الانتباه ليس مجرد وقت، بل هو حياتنا ذاتها. كل لحظة نمنحها للمنصات هي لحظة نسلبها من أنفسنا وأحبائنا وأحلامنا.
الفهم الواعي لهذه الخسائر هو الخطوة الأولى نحو استعادة السيطرة على أغلى مواردنا. ففي عالم يصرخ طالبا انتباهك، اسأل نفسك دائما: لمن، ولماذا أنتبه؟
كما قال الفيلسوف الأميركي ويليام جيمس: “تبدأ حقيقتنا من حيث نوجّه انتباهنا”.. فاختر جيدا ما تمنحه انتباهك، لأنك -وبكل بساطة- ما تنتبه إليه.
المصدر: الجزيرة