اعتداء على صحفية أمريكية يستنفر إسرائيل.. وآلاف الانتهاكات بحق الفلسطينيين
اعتقال 8 مشتبه بهم بعد استهداف أجانب في الضفة الغربية يعيد فتح ملف الإفلات من العقاب
- محمود الشاذلي
- 19 أكتوبر، 2026
- اخبار العالم, تقارير وترجمات, فلسطين
- اعتداء على صحفية أمريكية, الانتهاكات بحق الفلسطينيين, المصورة الصحفية الأمريكية, غزة
لم تكن الاعتداءات التي شهدتها الضفة الغربية المحتلة خلال الأيام الماضية استثناءً من موجة عنف مستمرة ضد الفلسطينيين، لكن ما أعقبها من تحرك أمني إسرائيلي سريع، بعد إصابة صحفية أمريكية واستهداف دبلوماسيين أوروبيين، أعاد طرح تساؤلات بشأن معايير المحاسبة، ومدى ارتباط جدية الإجراءات الأمنية بحجم الضغوط الدولية وجنسية الضحايا.
ففي الوقت الذي وثقت فيه الأمم المتحدة أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين خلال أقل من تسعة أشهر، أعلنت الشرطة الإسرائيلية، الاثنين 19 أكتوبر 2026، اعتقال ثمانية مشتبه بهم على خلفية حوادث عنف شهدتها الضفة الغربية خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وجاءت الاعتقالات عقب إدانات أمريكية وأوروبية للاعتداءات، في مشهد يبرز التناقض بين التحرك الأمني المعلن حيال حوادث حظيت باهتمام دولي واسع، والسجل الطويل لضعف الملاحقات القضائية بحق المعتدين على الفلسطينيين.
من الاعتداء إلى الاعتقالات
بدأت الوقائع الأبرز يوم الجمعة 16 أكتوبر، عندما هاجم مستوطنون إسرائيليون ملثمون فلسطينيين أثناء قطف الزيتون في قرية أبو فلاح، قرب رام الله، واعتدوا على المصورة الصحفية الأمريكية هايدي ليفين، التي كانت توثق الأحداث لصالح صحيفة «واشنطن بوست».
وتعرضت ليفين للضرب رغم ارتدائها سترة تحمل شارة الصحافة، وأصيبت بجروح وكسور استدعت نقلها إلى المستشفى وتلقي العلاج.
وفي اليوم التالي، شهدت الضفة الغربية اعتداءً منفصلًا استهدف دبلوماسيين أوروبيين ورئيس بلدية فرنسي، لتتسع دائرة الإدانات والمطالبات بإجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين.
وبحلول صباح الاثنين، أعلنت الشرطة الإسرائيلية تنفيذ عملية أمنية مشتركة مع جهاز الأمن الداخلي «الشاباك»، بمساندة قوات عسكرية، أسفرت عن توقيف ثمانية مشتبه بهم ومصادرة عدد من المركبات.
ولم تفصح الشرطة عن هويات المحتجزين أو الاتهامات النهائية الموجهة إليهم، مؤكدة استمرار التحقيقات.
عندما يصبح الضحية أجنبيًا
أثارت واقعة الاعتداء على الصحفية الأمريكية رد فعل لافتًا من السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، الذي وصف الهجوم بأنه عمل إرهابي يستوجب عقوبات مشددة، فيما أدان الاتحاد الأوروبي الاعتداءات التي استهدفت دبلوماسييه.
ولا يمكن الجزم بأن جنسية الضحايا كانت العامل الوحيد وراء الاعتقالات، غير أن تتابع الأحداث يطرح سؤالًا مشروعًا بشأن ما إذا كانت السلطات الإسرائيلية ستتعامل بالحزم نفسه مع الاعتداءات التي تطال الفلسطينيين وحدهم.
والمفارقة أن الصحفية التي أثارت إصابتها موجة الإدانات الدولية كانت موجودة أصلًا لتوثيق اعتداء على مزارعين فلسطينيين، قبل أن تتحول هي نفسها إلى ضحية للعنف الذي جاءت لتغطيته.
وهكذا، انتقلت الواقعة إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد استهداف صحفية تحمل الجنسية الأمريكية، رغم أن الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم تمثل نمطًا متكررًا وموثقًا منذ سنوات.
الأرقام تكشف حجم الإفلات من العقاب
تكشف البيانات الحقوقية أن الاعتداءات الأخيرة ليست حوادث منفصلة، بل تأتي ضمن تصاعد واسع في عنف المستوطنين بالضفة الغربية.
ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سُجل أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين أسفر عن إصابات أو أضرار بالممتلكات، أو كليهما، منذ بداية عام 2026 وحتى 14 سبتمبر، بمعدل بلغ نحو 6.7 اعتداء يوميًا.
وامتدت هذه الاعتداءات إلى 275 تجمعًا فلسطينيًا، بما يعكس اتساع نطاق الأضرار التي تلحق بالسكان والأراضي الزراعية ومصادر الرزق.
لكن المؤشر الأكثر دلالة يتعلق بنتائج التحقيقات الإسرائيلية نفسها؛ إذ كشفت منظمة «يش دين» الحقوقية الإسرائيلية أن 93.6% من ملفات التحقيق التي تابعتها بشأن اعتداءات ذات دوافع أيديولوجية ضد الفلسطينيين، خلال الفترة بين عامي 2005 و2025، انتهت دون تقديم لوائح اتهام.
كما لم تنتهِ سوى 3% من الملفات التي تابعتها المنظمة إلى إدانات قضائية كلية أو جزئية.
وتضع هذه الأرقام الاعتقالات الأخيرة في سياق مختلف؛ فالمعيار الحقيقي لجدية الإجراءات لا يتمثل في الإعلان عن توقيف المشتبه بهم، وإنما في إجراء تحقيقات فعالة، وتقديم الأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
من الضفة إلى غزة.. أزمة أوسع في المساءلة
ولا تنفصل التساؤلات المتعلقة بحماية الفلسطينيين في الضفة الغربية عن أزمة المساءلة الأوسع بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وما خلّفته من خسائر بشرية ودمار ونزوح ومعاناة إنسانية.
ورغم اختلاف الطبيعة القانونية والوقائع بين اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية، فإن حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات المحتملة يمثلان التزامين لا ينبغي ربطهما بجنسية الضحايا أو حجم الضغط الدبلوماسي.
ومن هنا، تتجاوز القضية عدد الموقوفين في عملية أمنية واحدة، لتطرح تساؤلًا عن مدى استعداد المؤسسات الإسرائيلية لتطبيق معايير المساءلة على نحو متسق، سواء تعلق الأمر بمزارع فلسطيني في الضفة، أو أسرة فلسطينية في غزة، أو صحفي أجنبي تعرض للاعتداء.
العدالة لا تُقاس بسرعة الاعتقال وحدها
تؤكد السلطات الإسرائيلية التزامها بملاحقة المسؤولين عن أعمال العنف، لكن السجل الحقوقي الطويل يضع تلك التعهدات أمام اختبار عملي، خصوصًا مع ارتفاع عدد الاعتداءات وانخفاض نسبة الملفات التي تنتهي بإدانات.
ويبقى التحرك الأمني الأخير خطوة تستلزم المتابعة، لا دليلًا نهائيًا على حدوث تحول في سياسة إنفاذ القانون.
فالقضية ليست الاعتراض على حماية الصحفيين والدبلوماسيين الأجانب، وهي حماية واجبة، وإنما المطالبة بأن يحظى الفلسطينيون بالمستوى نفسه من الحماية والإنصاف.
وعندما تتحول إصابة صحفية أجنبية إلى أزمة دبلوماسية تستدعي تحركًا عاجلًا، بينما تتراكم آلاف الوقائع بحق الفلسطينيين دون مساءلة قضائية فعالة، يصبح السؤال عن ازدواجية المعايير قائمًا على الوقائع، لا مجرد موقف سياسي.
فالعدالة التي يُفترض أن تحمي الإنسان لا يجوز أن تتحدد بجواز سفره، ولا أن تنتظر تحوّل الضحية إلى عنوان في وسائل الإعلام الدولية.