اجتماع طهران الرباعي يفتح نافذة لتهدئة التوتر الإقليمي

في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع المواجهة

تدخل الأزمة الإيرانية مرحلة جديدة من التعقيد، مع إعلان السعودية وباكستان وتركيا وإيران الاتفاق على مواصلة المحادثات لتعزيز التعاون المتبادل في مجالي السلام والأمن الإقليميين، عقب اجتماع رباعي استضافته طهران اليوم الإثنين. ويأتي التحرك في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتتصاعد فيه التحذيرات بشأن أمن الخليج ومضيق هرمز.

ويكتسب الاجتماع أهمية استثنائية بالنظر إلى جمعه أربع دول تتباين حساباتها الأمنية والسياسية، لكنها تواجه جميعا تداعيات استمرار التوتر الإقليمي. فالسعودية تسعى إلى حماية أمنها واستقرار المنطقة، وباكستان تتحرك لتقريب وجهات النظر، وتركيا تحاول تعزيز دورها الإقليمي، بينما ترى إيران أن التعاون مع جيرانها يمكن أن يخفف الضغوط الخارجية ويحد من احتمالات التصعيد.

طهران تراهن على التعاون الإقليمي

أكد البيان الصادر عقب الاجتماع الرباعي التزام الدول المشاركة بمواصلة المحادثات بهدف تعزيز التعاون المتبادل، بما يشمل قضايا السلام والأمن في المنطقة، في إشارة إلى رغبة الأطراف في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة رغم استمرار الخلافات والتهديدات المتبادلة.

وفي تعليق على نتائج الاجتماع، قال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن كبار المسؤولين من السعودية وباكستان وتركيا يرون أن حل مشكلات المنطقة يكمن في تعاون الدول الأربع وتكاتفها، معتبرا أن التعاون الإقليمي كان ينبغي أن يبدأ منذ وقت طويل.

وأضاف رضائي أن زيارة المسؤولين من الدول الثلاث أظهرت، بحسب تعبيره، أن التهديدات الأمريكية لا تؤثر كثيرا في دول العالم.

وتعكس التصريحات الإيرانية رغبة طهران في تقديم الاجتماع باعتباره خطوة نحو بناء ترتيبات إقليمية لا تعتمد حصرا على القوى الخارجية. لكن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطا بمدى استعداد الأطراف لتحويل التصريحات السياسية إلى تفاهمات عملية بشأن أمن الخليج، وحرية الملاحة، وتسوية الخلافات.

تحذيرات عسكرية تضع مضيق هرمز في قلب الأزمة

بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، أطلقت القيادة العسكرية الإيرانية رسائل شديدة اللهجة بشأن أمن الممرات البحرية.

وقال رئيس هيئة الأركان الإيرانية عبد الرحيم الموسوي إن القوات الإيرانية تراقب التحركات في مياه الخليج وبحر عمان، مؤكدا أن طهران لن تسمح بمرور السفن عبر مضيق هرمز خارج الترتيبات التي تحددها.

وحذر من أن أي سفينة تحاول العبور خارج المسارات التي تقررها إيران قد تتعرض لأضرار جسيمة، مشددا على أن بلاده ستواجه أي اعتداءات بقوة أكبر من السابق.

وتكشف هذه التصريحات عن التناقض القائم بين المساعي الدبلوماسية والتصعيد العسكري. فبينما تتحدث الدول الأربع عن تعزيز السلام والأمن، تواصل طهران استخدام لغة الردع في ملف يمثل أحد أكثر مصادر القلق بالنسبة إلى دول الخليج والأسواق العالمية.

ويزيد هذا التناقض من صعوبة بناء الثقة، لأن أي حادث بحري أو مواجهة محدودة قد يضع المسار التفاوضي أمام اختبار مبكر، خصوصا إذا ترتبت عليه خسائر بشرية أو أضرار بالسفن والمنشآت.

واشنطن تراجع حساباتها وسط مخاوف أمنية

في المقابل، تتواصل المؤشرات على ارتفاع مستوى الاستعداد الأمريكي في المنطقة، وسط تقارير إعلامية عن إجلاء أفراد من بعض القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط تحسبا لاحتمال تعرضها لهجمات إيرانية.

وأثار هذا التحرك تساؤلات بشأن طبيعة الاستعدادات الأمريكية وحدودها، وما إذا كانت تعكس إجراءات احترازية لحماية القوات أم مؤشرا على توقع تصعيد جديد.

وفي هذا السياق، ناقش الباحث السياسي الكويتي صالح السعيدي دلالات التحركات الأمريكية وانعكاساتها على أمن الخليج، في ظل حالة الترقب الإقليمي.

ولا تكفي الإجراءات الاحترازية وحدها للحكم بأن واشنطن تتجه إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنها تشير إلى أن المخاطر الأمنية لا تزال حاضرة في حسابات الأطراف، رغم استمرار الاتصالات السياسية.

وتواجه الولايات المتحدة معادلة معقدة؛ إذ إن توسيع الضغط العسكري قد يدفع إيران إلى تشديد إجراءاتها في مضيق هرمز، بينما قد يؤدي التراجع عن سياسة الضغط دون تفاهمات واضحة إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد ترتيبات الأمن الإقليمي.

ما الذي تريده السعودية وباكستان وتركيا؟

يمثل الاجتماع الرباعي فرصة للدول الثلاث، السعودية وباكستان وتركيا، لاختبار إمكانية احتواء التوتر من خلال الحوار المباشر مع طهران.

وتبرز باكستان بوصفها طرفا قادرا على فتح قنوات اتصال بين أطراف متباعدة، مستفيدة من علاقاتها الإقليمية ودورها في جهود الوساطة. أما تركيا، فتملك دوافع لتعزيز الاستقرار الإقليمي ومنع انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة، في حين تظل حماية الأمن السعودي والخليجي وحرية الملاحة من الأولويات الأساسية بالنسبة إلى الرياض.

ومع ذلك، فإن اجتماع هذه الدول مع إيران لا يعني بالضرورة وجود توافق كامل بشأن أسباب الأزمة أو وسائل حلها. فالتباينات المتعلقة بالسياسات الأمنية، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ومستقبل الترتيبات البحرية قد تفرض قيودا على سرعة التقدم.

كما أن نجاح المسار الرباعي يتطلب معالجة المخاوف الأمنية المتبادلة، لا الاكتفاء بتأكيد المبادئ العامة. ومن دون خطوات قابلة للقياس، قد تظل المحادثات إطارا سياسيا لتبادل الرسائل أكثر من كونها آلية فعالة لمنع التصعيد.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأزمة

يتوقف المسار المقبل على قدرة الأطراف على الفصل بين الخلافات الاستراتيجية والحاجة العاجلة إلى منع المواجهة.

السيناريو الأول: تقدم دبلوماسي تدريجي. قد تنجح المحادثات في وضع آلية اتصال دائمة، وتحديد قواعد أكثر وضوحا للتعامل مع الحوادث البحرية، وفتح المجال أمام تفاهمات أوسع بشأن أمن الخليج. ويظل هذا الاحتمال مرتبطا باستمرار الاجتماعات وظهور مؤشرات عملية على التهدئة.

السيناريو الثاني: استمرار الجمود. قد تتواصل المحادثات دون اختراق جوهري، بالتزامن مع استمرار الإجراءات العسكرية والضغوط الأمريكية والتشدد الإيراني بشأن مضيق هرمز. وفي هذه الحالة، ستبقى المنطقة عرضة لأزمات متقطعة دون الوصول إلى تسوية شاملة.

السيناريو الثالث: تصعيد مفاجئ. قد يؤدي اعتراض سفينة أو استهداف قاعدة أو وقوع مواجهة مباشرة إلى تقويض المسار الدبلوماسي، ويدفع الأطراف إلى ردود متبادلة يصعب احتواؤها. وتزداد خطورة هذا الاحتمال في ظل التحذيرات الإيرانية بشأن الملاحة والتحركات الأمريكية الاحترازية.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الاجتماع

تكمن أهمية الاجتماع الرباعي في أنه جمع السعودية وباكستان وتركيا وإيران حول طاولة واحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. لكن قيمة هذا التحرك لن تُقاس بالتصريحات الصادرة عنه، بل بقدرته على تغيير السلوك على الأرض.

أرى أن الأولوية تتمثل في تحويل الاتفاق على مواصلة المحادثات إلى خطوات محددة، تشمل قنوات اتصال عاجلة لمنع الاشتباكات، وتفاهمات واضحة بشأن سلامة الملاحة في مضيق هرمز، والتزاما متبادلا بتجنب الإجراءات التي قد تشعل مواجهة واسعة.

كما أن نجاح الوساطة يتطلب ضمان ألا تتحول المخاوف الأمنية لأي طرف إلى مبرر لتوسيع الصراع، وأن تكون دول المنطقة شريكا فعليا في صياغة الحلول، لا مجرد أطراف تتلقى نتائج المواجهة.

وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في تقدير نتائج الاجتماع؛ فالبيان المعلن لا يثبت التوصل إلى اتفاق شامل، ولا يكشف عن تسوية للخلافات الأساسية بين واشنطن وطهران.

الخلاصة أن طهران فتحت نافذة للحوار، لكنها أبقت باب التصعيد مفتوحا. وستحدد الأيام المقبلة ما إذا كانت الدبلوماسية الرباعية قادرة على احتواء التهديدات، أم أن التناقض بين لغة التفاوض واستعراض القوة سيعيد المنطقة إلى حافة مواجهة جديدة.

اترك تعليقا