إيكونوميست تحذر من الذخائر غير المنفجرة التي تهدد غزة
ويظل خطرها قائمًا حتى بعد توقف القصف
- السيد التيجاني
- 15 نوفمبر، 2025
- تقارير
- الأسلحة المزدوجة, الذخائر غير المنفجرة, غزة
مع انتهاء موجة العنف الأخيرة في غزة، كشفت تقارير عديدة عن حجم الكارثة التي خلفتها الحرب على المدنيين. فقد أشارت مجلة إيكونوميست البريطانية إلى أن قطاع غزة أصبح مليئًا بالذخائر غير المنفجرة، التي تمثل تهديدًا مستمرًا للسكان. هذه المتفجرات تتوزع بين الأحياء السكنية، الشوارع، والحقول الزراعية، ويظل خطرها قائمًا حتى بعد توقف القصف.
الذخائر غير المنفجرة: خطر مستمر
بحسب الأمم المتحدة، فإن كمية الذخائر غير المنفجرة تتجاوز سبعة آلاف طن، بعضها مزوّد بآليات تفجير مؤجل، ما يعني أن أي خطوة خاطئة على الأرض قد تؤدي إلى انفجار قاتل. ويقول مختصون في إزالة الألغام إن الخطر الأكبر يكمن في أن كثيرًا من هذه المتفجرات مدفون تحت الركام، ما يجعل عملية التعرف عليها صعبة ويزيد احتمال وقوع الإصابات.
واحدة من الحالات التي نقلتها المجلة كانت لإصابة توأمين صغيرين خلال لعبهما بقنبلة ظنّوها لعبة عادية. هذا المثال يعكس بشكل مأساوي التهديد اليومي الذي يواجهه الأطفال في غزة، وهو تهديد يمتد لعقود إذا لم تتدخل جهات دولية متخصصة لإزالة هذه المخلفات.
الحياة اليومية
تأثير الذخائر غير المنفجرة لا يقتصر على الإصابات المباشرة، بل يمتد ليعطل الحياة اليومية للسكان. الكثير من العائلات لا تستطيع العودة إلى منازلها بعد الدمار، أو الخروج بحرية للعمل والزراعة، خوفًا من انفجار متفجرة تحت الأرض. المدارس والحدائق وحتى الطرق أصبحت أماكن محفوفة بالخطر.
الأطفال هم الأكثر تضررًا، إذ أنهم قد يخطئون في التعرف على القنابل أو يظنونها ألعابًا، فيما يعاني البالغون من ضغط نفسي دائم وقلق مستمر على حياة أسرهم. تقول نائبة رئيس جمعية الإغاثة الإنسانية في غزة، مريم الحسن:
“كل يوم نتلقى بلاغات عن إصابات أطفال أثناء اللعب أو عند المرور في الشوارع. هذا الخطر يعيق عودة الحياة الطبيعية ويجعل الناس يعيشون في خوف دائم.”
وبالإضافة إلى القلق النفسي، هناك أبعاد اقتصادية ملموسة، فالكثير من الأراضي الزراعية غير صالحة للاستخدام بسبب وجود الذخائر، ما يؤدي إلى فقدان مصدر رزق للعديد من العائلات ويزيد من أزمة الغذاء في القطاع.
تحديات الإزالة والتكاليف
إزالة الذخائر غير المنفجرة ليست مهمة بسيطة. فهي تتطلب فرق مهندسين مدربين ومعدات متقدمة، إضافة إلى التنسيق مع السلطات المحلية والدولية. بعض المعدات الهندسية المتخصصة ممنوعة من الدخول إلى غزة لأسباب أمنية، إذ تصنف ضمن ما يُعرف بـ “الاستخدام المزدوج”، أي يمكن أن تُستخدم لصناعة أسلحة.
يقول المهندس الدولي في إزالة الألغام، جوناثان كيلر:”التحدي الأكبر هو الوصول إلى كل موقع آمن، التعرف على نوع المتفجرة، وتأمين المعدات اللازمة للتفكيك. العملية بطيئة جدًا وقد تستغرق عشرات السنين إذا لم يتم توفير الدعم الدولي بشكل كامل.”
تقديرات إيكونوميست تشير إلى أن إزالة كل المخلفات يمكن أن تستغرق ما بين 20 إلى 30 سنة. هذا يعني أن غزة ستظل تواجه خطرًا دائمًا، وسيظل السكان يعانون من القيود في حياتهم اليومية، حتى بعد انتهاء الحرب.
الجانب الاقتصادي أيضًا مهم، إذ أن التكلفة المرتفعة لإزالة الذخائر تعرقل جهود إعادة الإعمار، وتؤثر على مشاريع البنية التحتية والصحة والتعليم. تقول لجنة الأمم المتحدة لإزالة المتفجرات: “حتى لو توفرت الموارد، فإن السرعة في إزالة الذخائر محدودة، وكل يوم تأخير يزيد من احتمالات وقوع حوادث جديدة.”
الأبعاد الإنسانية والدولية وردود الأفعال
الأبعاد الإنسانية لهذا الخطر كبيرة. المجتمع الدولي عبر عن قلقه إزاء استمرار وجود الذخائر غير المنفجرة في مناطق مأهولة. قالت متحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر: “وجود الذخائر غير المنفجرة يمثل تهديدًا دائمًا لحياة المدنيين.
نحن بحاجة لتعاون دولي عاجل لإزالة هذه المخلفات وتأمين العودة الآمنة للمدنيين إلى منازلهم.”
في الوقت ذاته، تصاعدت الدعوات من منظمات حقوق الإنسان لتقديم المساعدة العاجلة لغزة. المنظمات المحلية أطلقت تحذيرات حول احتمال تزايد الإصابات في الأشهر القادمة، خصوصًا مع بداية فصل الشتاء الذي قد يدفع السكان للعودة إلى المنازل أو محاولة العمل في الأراضي الزراعية المتضررة.
من ناحية سياسية، قالت بعض المصادر إن القيود المفروضة على دخول بعض المعدات الهندسية تُعيق جهود الإغاثة، حيث تحتاج الفرق إلى معدات متخصصة لتفكيك المتفجرات بأمان. هذا أدى إلى انتقادات وجهت للجهات الدولية المتحكمة في تصدير المعدات، باعتبار أن البيروقراطية تزيد من معاناة المدنيين.
على المستوى المجتمعي، يرى سكان غزة أن التحدي الأكبر بعد الحرب ليس فقط إعادة بناء المنازل، بل إعادة بناء شعورهم بالأمان. تقول الناشطة المحلية، هدى الشرباصي:
> “نحن نخاف من كل خطوة خارج المنزل، الأطفال لا يخرجون للعب، والمزارعون لا يجرؤون على العمل في حقولهم. هذا الخطر يلاحقنا يوميًا، ونحن بحاجة لحل عاجل.”
ورغم كل هذه المخاطر، هناك بعض المبادرات المحلية والدولية لإزالة الذخائر. فرق متخصصة بدأت العمل في المناطق الأكثر خطورة، مع التركيز على حماية الأطفال والمناطق السكنية الأكثر كثافة. إلا أن هذه الجهود محدودة ومتصلة بالقيود اللوجستية والسياسية.
تسلط التقارير الضوء على حقيقة مؤلمة: الحرب لم تنتهِ بمجرد توقف القصف، بل خلفت خطرًا طويل الأمد يهدد المدنيين في غزة. الذخائر غير المنفجرة ليست مجرد بقايا عسكرية، بل أصبحت عاملًا يعطل الحياة اليومية، يعيق إعادة الإعمار، ويؤثر على الصحة النفسية للأجيال القادمة.
ردود الأفعال الدولية والمحلية تشير إلى ضرورة تدخل عاجل، سواء بتوفير المعدات المتخصصة، تدريب الفرق الهندسية، أو تأمين التعاون الدولي لإزالة المخلفات. من دون هذا التدخل، ستظل غزة تواجه خطرًا مستمرًا، وستبقى حياة المدنيين معرضة للخطر كل يوم.
إن ما يجمع بين كل هذه الجوانب هو أن الخطر لا يُقاس فقط بالموت الفوري، بل بتأثيره طويل المدى على المجتمع، الاقتصاد، والتعليم، والصحة النفسية، ما يجعل من إزالة الذخائر غير المنفجرة أولوية قصوى لأي خطة لإعادة إعمار القطاع.