إلغاء زيارة مبعوثين أمريكيين إلى باكستان يعقّد مسار الوساطة

تصاعد الشكوك حول فرص التهدئة المقبلة

يشير قرار دونالد ترامب إلغاء زيارة مبعوثين أمريكيين إلى إسلام آباد إلى تعقّد إضافي في مسار الوساطة التي تقودها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران. فالخطوة، التي جاءت بعد مغادرة عباس عراقجي دون إعلان أي تقدم، تعكس هشاشة اللحظة الدبلوماسية، وتفتح الباب أمام قراءات متباينة حول مستقبل التهدئة في منطقة شديدة الحساسية.

منذ أسابيع، تحاول إسلام آباد توظيف علاقاتها المتوازنة مع الطرفين لتقريب وجهات النظر، مستفيدة من خبرتها في إدارة الأزمات الإقليمية. غير أن انسحاب الزخم فجأة، عبر إلغاء زيارة مبعوثين بارزين، يسلط الضوء على فجوة ثقة عميقة، ويطرح تساؤلات حول قدرة الوسطاء على الاستمرار في ظل تصعيد الخطاب السياسي.

الخبير في العلاقات الدولية الدكتور حسن عبيد يرى أن “القرار الأمريكي يحمل رسالة مزدوجة: ضغط على طهران، وتعبير عن عدم الرضا عن نتائج الوساطة”. ويضيف أن واشنطن تسعى إلى إعادة ضبط قواعد التفاوض عبر إظهار امتلاكها “أوراق قوة” في مواجهة ما تعتبره ارتباكًا داخل القيادة الإيرانية.

في المقابل، تعتبر الباحثة الباكستانية عائشة صديق أن تحميل طهران مسؤولية التعثر “تبسيط مخلّ”، مشيرة إلى أن “التعقيد الحقيقي يكمن في تضارب الأجندات الإقليمية، وتعدد مسارات التفاوض غير المعلنة”. وترى أن الوساطة الباكستانية لم تفشل بقدر ما “اصطدمت بسقف سياسي منخفض لدى الطرفين”.

على الصعيد الإيراني، يعكس مغادرة عراقجي دون نتائج ملموسة حالة الحذر التي تتعامل بها طهران مع أي مبادرة. فوفقًا للمحلل الإيراني مهدي كاظمي، فإن “القيادة الإيرانية لا ترى في العروض الحالية ما يضمن مصالحها الاستراتيجية، خصوصًا في ملفات الأمن الإقليمي والعقوبات”. ويؤكد أن طهران “تفضّل كسب الوقت على تقديم تنازلات غير مضمونة”.

أما في واشنطن، فيقرأ الخبير الأمريكي جون ألترمان الخطوة باعتبارها “تكتيك تفاوضي تقليدي”، موضحًا أن “إلغاء الزيارة لا يعني إغلاق الباب، بل رفع سقف المطالب قبل العودة إلى الطاولة بشروط مختلفة”.

ردود الفعل العربية جاءت حذرة، إذ دعت جامعة الدول العربية إلى ضبط النفس وتغليب الحلول السياسية، محذرة من أن أي تصعيد جديد سيؤثر بشكل مباشر على استقرار المنطقة، خصوصًا في ظل حساسية ممرات الطاقة. كما شددت السعودية على أهمية استمرار الجهود الدبلوماسية، مع التأكيد على ضرورة حماية أمن الملاحة.

دوليًا، أعربت الاتحاد الأوروبي عن قلقه من تعثر الوساطة، داعيًا إلى استئناف الحوار “دون شروط مسبقة”. بينما رأت روسيا أن التصعيد اللفظي لا يخدم الاستقرار، مؤكدة دعمها لأي مسار تفاوضي متوازن. أما الصين، فدعت إلى حلول قائمة على “الاحترام المتبادل”، مشيرة إلى أن التوترات الحالية قد تنعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.

في العمق، يرتبط هذا التعثر بسياق أوسع من الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تتداخل ملفات البرنامج النووي، وأمن الخليج، ودور الفاعلين الإقليميين. وتبرز مضيق هرمز كعامل ضغط رئيسي، نظرًا لأهميته في إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل أي تصعيد محتمل ذا تداعيات تتجاوز الإطار الإقليمي.

التوقعات المستقبلية تبقى مفتوحة على عدة سيناريوهات. السيناريو الأول يتمثل في عودة غير مباشرة إلى المفاوضات عبر قنوات خلفية، وهو ما يرجحه بعض الدبلوماسيين الذين يرون أن “التصعيد العلني غالبًا ما يسبق التهدئة”. السيناريو الثاني يتمثل في استمرار الجمود، مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية، ما قد يدفع الأطراف إلى إعادة حساباتها لاحقًا. أما السيناريو الأكثر خطورة، فيكمن في انزلاق الأوضاع نحو مواجهة محدودة، خصوصًا إذا ترافق التصعيد السياسي مع تحركات ميدانية.

في هذا الإطار، يشير الدكتور حسن عبيد إلى أن “اللحظة الحالية ليست لحظة حسم، بل مرحلة اختبار للإرادات”، مؤكدًا أن جميع الأطراف تدرك كلفة المواجهة، لكنها في الوقت ذاته تسعى لتحسين شروطها قبل أي اتفاق محتمل.

في المحصلة، يعكس إلغاء الزيارة الأمريكية تعقيد المشهد أكثر مما يعكس نهاية المسار الدبلوماسي. فبين رسائل الضغط، وحسابات النفوذ، ومخاوف التصعيد، تبقى المنطقة أمام مفترق طرق حساس، حيث قد تحدد القرارات القادمة شكل التوازنات في المرحلة المقبلة.