إفريقيا.. فرص اقتصادية واعدة وعراقيل تواجه الشراكة مع المحيط العربي

تطوير البنية التحتية وجذب الاستثمارات أهم التحديات

كثيرا ما ينظر إلى قارة إفريقيا من زاوية المساعدات الإنسانية أو الأزمات السياسية، بينما تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أنها ستكون إحدى أسرع مناطق العالم نموًا من حيث السكان، والتوسع الحضري، وحجم القوة العاملة خلال العقود المقبلة.

وبالنسبة لمحيط القارة السمراء، لا تمثل إفريقيا مجرد جار جغرافي، بل عمقًا اقتصاديًا واستراتيجيًا، إذ تضم أكثر من عشرين دولة عضوًا في منظمة التعاون الإسلامي، وتشترك مع الدول العربية في البحر الأحمر، والمحيط الأطلسي، والبحر المتوسط، فضلا عن  روابط تاريخية وتجارية وثقافية امتدت لقرون.

وفي هذا السياق رأي  البنك الإفريقي للتنمية إلى أن القارة تمتلك أكبر مساحة من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالميًا، واحتياطيات كبيرة من المعادن الإستراتيجية، إلى جانب سوق استهلاكية متنامية نتيجة النمو السكاني والتوسع الحضري.

لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا من جانبها تري أن  التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل خطوة مهمة نحو إنشاء واحدة من أكبر الأسواق الموحدة في العالم من حيث عدد السكان.

العلاقات العربية الإفريقية

وتاريخيًا، لم تكن العلاقات العربية والإفريقية وليدة العصر الحديث، فقد ربطت التجارة عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي والصحراء الكبرى بين مصر والحجاز واليمن وبلاد المغرب وشرق إفريقيا وغربها.

وبل كان واضحا إسهام  التجار المسلمون في نقل السلع والمعرفة، ونشأت مدن تجارية مزدهرة مثل زنجبار وتمبكتو وغاو وسواكن ومقديشو، التي لعبت أدوارًا مهمة في التجارة العالمية خلال العصور الوسطى.

وبدوره قال المؤرخ البريطاني بازل ديفيدسون، في دراساته حول التاريخ الإفريقي، إلى أن التجارة العابرة للصحراء والمحيط الهندي أسهمت في نشوء ممالك ومراكز حضارية ازدهرت بفضل التبادل التجاري والثقافي مع العالم العربي والإسلامي.

واليوم، تمتلك الدول العربية عناصر قوة يمكن أن تكمل احتياجات الاقتصادات الإفريقية، فهناك رؤوس أموال وصناديق سيادية وخبرات في البنية التحتية والطاقة والموانئ والخدمات المالية، في مقابل موارد طبيعية واسعة، وأراضٍ زراعية، وأسواق نامية، وقوة بشرية شابة في كثير من الدول الإفريقية.

تعزيز الأمن الغذائي

ومن أبرز فرص التكامل الاستثمار في الزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، والموانئ، والسكك الحديدية، والاتصالات، والخدمات اللوجستية، بما يحقق منافع متبادلة، ويعزز الأمن الغذائي، ويزيد حجم التجارة بين الجانبين.

كما يمكن للمؤسسات المالية العربية والإسلامية، مثل البنك الإسلامي للتنمية، أن توسع تمويل المشاريع المشتركة في الدول الإفريقية، مع التركيز على المشروعات الإنتاجية التي تنقل التكنولوجيا، وتوفر فرص العمل، وتعزز القيمة المضافة محليًا.

منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية رأت هي الأخري ، ان القطاع  الزراعي، وسلاسل القيمة المحلية، والاستثمار في البنية التحتية، تعد من أهم العوامل التي يمكن أن تسرع التنمية الاقتصادية في القارة، وتزيد من قدرتها على جذب الاستثمارات.

ويرى الاقتصادي الزامبي دامبيسا مويو، ، أن الاستثمار والإنتاج والتجارة أكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة من الاعتماد طويل الأجل على المساعدات الخارجية، وهي رؤية لاقت اهتمامًا واسعًا في النقاشات الاقتصادية الخاصة بمستقبل إفريقيا.

ولا يقتصر التعاون على الاقتصاد، بل يشمل أيضًا التعليم، والتدريب المهني، والبحث العلمي، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات الدوائية، والخدمات الصحية، بما يعزز التنمية البشرية ويعمق العلاقات طويلة الأجل.

الشراكة العربية الإفريقية 

ورغم الفرص الكبيرة، تواجه الشراكات العربية والإفريقية تحديات تتعلق بتفاوت البنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل، واختلاف الأنظمة القانونية، والمنافسة الدولية المتزايدة على الاستثمار في القارة. إلا أن خبراء البنك الإفريقي للتنمية يرون أن هذه التحديات يمكن الحد منها عبر تحسين الربط البحري والجوي، وتوقيع اتفاقيات استثمار متوازنة، وتطوير آليات تمويل إقليمية.

ويتوقع خبراء الأمم المتحدة والبنك الإفريقي للتنمية أن تصبح إفريقيا أحد أهم مراكز النمو الاقتصادي خلال العقود المقبلة، مدفوعة بالنمو السكاني، والتوسع الحضري، والرقمنة، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة.

من المهم الإشارة هنا إلي إن إفريقيا ليست مجرد سوق جديدة، بل شريك إستراتيجي يمتلك مقومات تكامل حقيقية مع العالم العربي والإسلامي. وإذا نجح الطرفان في بناء شراكات تقوم على الاستثمار والإنتاج ونقل المعرفة، فإن ذلك قد يسهم في تعزيز الأمن الغذائي، وتنويع الاقتصادات، وفتح آفاق جديدة للتجارة والتنمية المستدامة، بما يعود بالنفع على الجانبين.

اترك تعليقا