أوزبكستان تواصل إصلاحات القضاء وتعزيز استقلال المحاكم

التحول الرقمي واستقلال المحاكم يعززان بيئة الاستثمار وثقة المتقاضين.

يشهد النظام القضائي في أوزبكستان خلال عام 2026 مرحلة متقدمة من الإصلاحات المؤسسية، في إطار استراتيجية حكومية تهدف إلى تعزيز استقلال السلطة القضائية، وتطوير كفاءة المحاكم، وتسريع إجراءات التقاضي، إلى جانب توسيع استخدام التقنيات الرقمية في الخدمات العدلية. وتأتي هذه الخطوات ضمن مسار تحديث مؤسسات الدولة الذي بدأته طشقند منذ عام 2016، بهدف تحسين الحوكمة وترسيخ سيادة القانون وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمارات المحلية والأجنبية.

وتؤكد بيانات صادرة عن المحكمة العليا الأوزبكية ووزارة العدل أن الإصلاحات الحالية تركز على رفع كفاءة القضاة، وتقليص مدد الفصل في القضايا، وتوسيع منظومة التقاضي الإلكتروني، فضلًا عن مراجعة عدد من القوانين والإجراءات القضائية بما يتماشى مع المعايير القانونية الحديثة. كما تعمل الحكومة على تعزيز الشفافية في عمل المحاكم وتسهيل وصول المواطنين والشركات إلى الخدمات القضائية عبر المنصات الرقمية.

وتعد الإصلاحات القضائية جزءًا من برنامج التحول الوطني الذي أطلقته الحكومة بعد عام 2016، والذي شمل تحديث الإدارة العامة، وإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، وتحرير قطاعات اقتصادية رئيسية، مع منح القضاء دورًا أكبر في حماية الحقوق وضمان تنفيذ العقود وتسوية النزاعات التجارية والإدارية بصورة أكثر كفاءة.

ويرى الباحث الأوزبكي أكبر تورسونوف، المتخصص في القانون العام، في دراسة صادرة عن جامعة الاقتصاد والدبلوماسية العالمية في طشقند، أن نجاح الإصلاحات القضائية لا يعتمد فقط على إصدار تشريعات جديدة، بل يرتبط بقدرة المحاكم على تطبيقها باستقلالية وشفافية، بما يعزز ثقة المواطنين وقطاع الأعمال في منظومة العدالة.

من جانبه، يشير الباحث الأمريكي ويليام بوميرانز، مدير معهد كينان في مركز ويلسون، إلى أن تحديث المؤسسات القضائية يمثل أحد أبرز المؤشرات التي تعتمد عليها المؤسسات المالية والمستثمرون الدوليون عند تقييم البيئة القانونية واستقرار مناخ الاستثمار في دول آسيا الوسطى، موضحًا أن استقلال القضاء يعد عنصرًا أساسيًا في دعم التنمية الاقتصادية طويلة الأجل.

كما توضح تقارير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD) أن أوزبكستان حققت تقدمًا ملحوظًا في تحسين بيئة الأعمال والإصلاح الإداري خلال السنوات الأخيرة، وأن تطوير المنظومة القضائية أسهم في تعزيز بعض المؤشرات الاقتصادية، مع استمرار الحاجة إلى تعميق الإصلاحات المؤسسية، وزيادة كفاءة الأجهزة التنفيذية، وتحسين آليات تنفيذ الأحكام.

ومن الناحية التاريخية، تأثر النظام القضائي الأوزبكي لعقود بالإرث الإداري والقانوني للحقبة السوفيتية، حيث اتسم بالمركزية وتداخل السلطات. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت إصلاحات تدريجية استهدفت إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات، وتوسيع الضمانات القانونية، وتحديث البنية التشريعية، إلى جانب إدخال الخدمات الإلكترونية في مختلف مراحل التقاضي.

ويرى خبراء في القانون المقارن أن التحول الرقمي للمحاكم يسهم في تقليص الإجراءات البيروقراطية، وتسريع الفصل في القضايا، وتحسين كفاءة إدارة الدعاوى، لكنه يتطلب في المقابل استثمارات مستمرة في البنية التكنولوجية، وتدريب القضاة والمحامين، وتعزيز أنظمة الأمن السيبراني لحماية البيانات القضائية.

ويؤكد متخصصون أن نجاح الإصلاح القضائي ستكون له انعكاسات تتجاوز الإطار القانوني، إذ يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين، وحماية حقوق الملكية، وتحسين تنفيذ العقود، ورفع كفاءة الاقتصاد، وترسيخ استقرار المؤسسات العامة، وهو ما يمثل أحد المرتكزات الأساسية لاستراتيجية التنمية في أوزبكستان.

ويتوقع محللون أن تواصل الحكومة الأوزبكية خلال السنوات المقبلة تحديث تشريعاتها، وتوسيع التعاون مع المؤسسات القانونية والمنظمات الدولية، والاستفادة من الخبرات المقارنة في تطوير المنظومة القضائية، بما يعزز مكانة البلاد كواحدة من أسرع دول آسيا الوسطى تنفيذًا للإصلاحات المؤسسية، ويدعم مساعيها لبناء بيئة قانونية أكثر كفاءة وشفافية واستدامة.

اترك تعليقا