أوزبكستان تناور بين الكبار لبناء قوة اقتصادية مستقلة
دون أن تنحاز بالكامل إلى أحد
- السيد التيجاني
- 30 أغسطس، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- آسيا الوسطى, أوزبكستان, الصين, روسيا, شرق آسيا, قوة اقتصادية
في قلب آسيا الوسطى، حيث تتقاطع طرق التجارة القديمة مع صراعات النفوذ الجديدة، تحاول أوزبكستان أن تفعل شيئاً بالغ الحساسية: أن تستفيد من الجميع من دون أن تنحاز بالكامل إلى أحد.
طشقند تتحرك باتجاه الهند، وتوسع تعاونها مع تركيا وأذربيجان، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها الاقتصادية العميقة مع روسيا والصين. وبين هذه القوى المتنافسة، تبحث أوزبكستان عن مكان يتجاوز كونها دولة غير ساحلية إلى مركز تجاري وصناعي قادر على التأثير في حركة الاقتصاد الإقليمي.
هذه السياسة لا تقوم على استبدال حليف بآخر، وإنما على توزيع المخاطر وفتح أكبر عدد ممكن من الأبواب أمام الاقتصاد الأوزبكي.
لكن السؤال الأصعب ليس: كم دولة تستطيع أوزبكستان إقامة شراكات معها؟ بل: هل تستطيع تحويل هذه الشراكات إلى مصانع وفرص عمل وصادرات ذات قيمة مضافة؟
لعبة التوازن بين الكبار
تدرك القيادة الأوزبكية أن الاعتماد على مسار اقتصادي واحد قد يتحول إلى نقطة ضعف، خصوصاً في منطقة تتغير فيها خطوط التجارة والطاقة والنقل بسرعة.
روسيا ما زالت شريكاً مهماً، سواء في التجارة أو سوق العمل وتحويلات الأوزبكيين العاملين فيها. والصين لاعب رئيسي في الاستثمار والبنية التحتية والتجارة. وفي المقابل، تظهر الهند كقوة آسيوية تبحث عن موطئ قدم أوسع في آسيا الوسطى، بينما تعمل تركيا وأذربيجان على تعزيز روابط النقل والطاقة والتجارة مع المنطقة.
هذه البيئة تمنح أوزبكستان فرصة نادرة للمساومة.
كلما تعددت الخيارات أمام طشقند، ارتفعت قدرتها على التفاوض بشأن شروط الاستثمار والأسواق ومشروعات البنية التحتية.
لكن هذا التوازن ليس مضموناً. فالقوى الموجودة في المنطقة لا تتحرك بدافع اقتصادي فقط، بل تحمل كل منها حسابات جيوسياسية مختلفة.
ولهذا تحتاج أوزبكستان إلى سياسة خارجية واقتصادية شديدة الحذر: الحصول على الاستثمارات والتكنولوجيا من دون الوقوع في تبعية جديدة.
لماذا الهند تحديداً؟
يكتسب التقارب مع الهند أهمية خاصة لأنه يفتح لأوزبكستان باباً مختلفاً عن الأبواب الروسية والصينية التقليدية.
الهند تمتلك سوقاً ضخمة وخبرة متقدمة في الصناعات الدوائية وتكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية والطاقة، وهي قطاعات تحتاج أوزبكستان إلى تطويرها.
وفي المقابل، تبحث نيودلهي عن مصادر جديدة للمواد الخام والأسواق وممرات تجارية إلى آسيا الوسطى.
وقد رفع البلدان سقف طموحهما التجاري إلى مستويات أكبر خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على الطاقة والمعادن الحيوية والتعدين والدفاع والصناعة والتكنولوجيا والصحة والزراعة.
لكن التجارة وحدها لن تكون كافية.
وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال يرى أن العلاقة ينبغي أن تنتقل إلى مرحلة الاستثمار والتصنيع والابتكار المشترك.
وهذه النقلة هي التي يمكن أن تمنح الشراكة معنى استراتيجياً حقيقياً بالنسبة إلى أوزبكستان.
فبدلاً من أن تصبح الهند مجرد مصدر للسلع، يمكن أن تتحول إلى شريك في إقامة صناعات داخل البلاد.
الطريق بين البلدين هو المشكلة
هنا تصطدم الطموحات بالجغرافيا.
أوزبكستان دولة غير ساحلية، والهند بعيدة عنها ولا توجد بينهما حدود مباشرة. وهذا يجعل زيادة التجارة الثنائية مرتبطة بشبكة معقدة من الطرق البرية والسكك الحديدية والموانئ في دول أخرى.
ويقول خبراء النقل الإقليمي إن التحدي الأساسي أمام آسيا الوسطى لم يعد في نقص الاتفاقات، وإنما في تكلفة نقل البضائع وطول الإجراءات الحدودية وتفاوت كفاءة البنية التحتية.
ومن هنا تأتي أهمية الممرات الجديدة.
أوزبكستان تريد الاستفادة من ممرات تصلها ببحر قزوين والقوقاز وتركيا وأوروبا، وفي الوقت نفسه تبحث عن طرق تصلها بجنوب آسيا.
لكن الممر التجاري لا يصبح ناجحاً بمجرد رسمه على الخريطة.
القطارات يجب أن تعمل بانتظام، والجمارك يجب أن تكون أسرع، والطرق والموانئ الجافة بحاجة إلى استثمارات، كما يجب أن تتوافق الأنظمة الرقمية بين الدول.
وإلا فإن ارتفاع تكلفة النقل سيجعل كثيراً من المنتجات الأوزبكية أقل قدرة على المنافسة.
أذربيجان وتركيا.. بوابة مختلفة
في هذا السياق، تمثل أذربيجان أهمية خاصة لطشقند.
فالتعاون معها يمكن أن يمنح أوزبكستان منفذاً عبر بحر قزوين إلى القوقاز وتركيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية.
ويؤكد بختيار مصطفاييف، نائب مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية التابع لرئاسة أوزبكستان، أن التعاون مع أذربيجان يفتح فرصاً مهمة في النقل والطاقة والاستثمار.
لكن تحقيق هذه الفرص يحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل.
فالممر الأوسط، على سبيل المثال، يضم أكثر من دولة وأكثر من نظام نقل، ما يجعل نجاحه مرتبطاً بالتنسيق بين جميع حلقاته.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية: إذا كانت حلقة واحدة بطيئة أو مكلفة، فإنها قد تؤثر في الممر بأكمله.
التحدي الأخطر.. الاقتصاد المحلي
ربما لا يكون أكبر تحدٍ أمام أوزبكستان في الخارج، وإنما في الداخل.
البلاد تحاول الانتقال من اقتصاد تهيمن فيه الدولة على قطاعات واسعة إلى اقتصاد يلعب فيه القطاع الخاص دوراً أكبر.
لكن جذب الشركات الأجنبية لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد المحلي سيصبح أكثر قوة.
إذا دخل المستثمر الأجنبي، وأنشأ مشروعاً يعتمد على استيراد معظم مكوناته ثم يعيد تصدير المنتج، فإن الأثر المحلي سيكون محدوداً.
أما إذا شاركت الشركات الأوزبكية في سلسلة الإنتاج، وحصل العمال على التدريب، وانتقلت التكنولوجيا إلى السوق المحلية، فإن الاستثمار يمكن أن يصبح محركاً حقيقياً للنمو.
ويرى خبراء اقتصاديون أن مستقبل الإصلاحات سيتوقف على قدرة الحكومة على تعزيز المنافسة وتقليص امتيازات الشركات الحكومية وتحسين التمويل أمام القطاع الخاص.
المعادن.. ثروة أم فخ جديد؟
تملك أوزبكستان فرصة إضافية في مجال المعادن الحيوية.
العالم يتجه بقوة نحو السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، وكلها تحتاج إلى مواد ومعادن استراتيجية.
وهذا يضع الدول التي تمتلك هذه الموارد في موقع أقوى من السابق.
لكن هناك خطراً واضحاً.
إذا اكتفت أوزبكستان بتصدير الخام، فقد تحصل على عائدات محدودة مقارنة بما يمكن أن تحققه إذا أقامت صناعات تحويلية داخل البلاد.
لذلك فإن السؤال ليس فقط: كم طناً من المعادن تستطيع أوزبكستان استخراجها؟
بل: كم منتجاً صناعياً تستطيع إنتاجه من هذه المعادن؟
وهنا تظهر أهمية التكنولوجيا والتعليم والمهارات ورأس المال.
الوظائف.. الامتحان الحقيقي
النمو الاقتصادي لن يكون كافياً إذا لم ينعكس على سوق العمل.
أوزبكستان دولة شابة وسكانها يتزايدون، ما يعني أن الاقتصاد بحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف الجديدة سنوياً.
وهذا يفرض على الحكومة البحث عن استثمارات كثيفة العمالة في البداية، ثم الانتقال تدريجياً إلى صناعات أكثر إنتاجية وقيمة.
القطاعات التي يمكن أن تحقق ذلك تشمل التصنيع والغذاء والدواء والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية.
أما الاقتصار على استخراج الموارد أو استيراد المنتجات وإعادة توزيعها، فلن يكون كافياً لاستيعاب الطاقات البشرية المتزايدة.
هل تستطيع طشقند تجنب التبعية؟
كلما توسعت أوزبكستان في علاقاتها الخارجية، ظهر سؤال جديد: هل التنويع سيؤدي إلى استقلال اقتصادي أكبر أم إلى تبعية متعددة الأطراف؟
الجواب يعتمد على طريقة إدارة الدولة لهذه العلاقات.
إذا استطاعت طشقند استخدام المنافسة بين المستثمرين للحصول على أفضل شروط ممكنة، ونقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة، وإشراك الشركات المحلية، فإن التنويع سيكون نقطة قوة.
أما إذا أصبحت الاستثمارات الأجنبية منفصلة عن الاقتصاد المحلي، فقد تتعدد الشراكات بينما تظل نقاط الضعف القديمة موجودة.
وهنا تبرز أهمية المؤسسات.
الدولة القوية ليست التي تمنع الاستثمار الأجنبي، وإنما التي تستطيع التفاوض معه من موقع يضمن مصالح اقتصادها.
توقعات المرحلة المقبلة
خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، يرجح أن تواصل أوزبكستان سياستها القائمة على تعدد الشركاء.
الهند ستكون مرشحة للعب دور أكبر في التكنولوجيا والصناعة والدواء والطاقة والمعادن، بينما ستظل الصين لاعباً رئيسياً في الاستثمار والبنية التحتية.
أما روسيا فستحتفظ بأهميتها الاقتصادية، خصوصاً في التجارة والطاقة وسوق العمل، في حين يمكن أن تصبح تركيا وأذربيجان أكثر أهمية في النقل والوصول إلى الأسواق الأوروبية.
ومن المتوقع كذلك أن تركز طشقند بصورة أكبر على تحويل الاتفاقات السياسية إلى مشروعات فعلية.
وسيكون نجاحها قابلاً للقياس من خلال مؤشرات واضحة: زيادة الصادرات الصناعية، ارتفاع نسبة المكونات المحلية في المشروعات الأجنبية، نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتراجع تكلفة النقل إلى الأسواق الخارجية.
النهاية ليست في عدد الحلفاء
أوزبكستان تخوض تجربة دقيقة في منطقة تتحول بسرعة.
هي لا تريد أن تكون جزءاً من محور ضد محور، ولا تريد أن تستبدل اعتمادها على شريك باعتماد جديد على شريك آخر.
ما تريده هو مساحة أوسع للمناورة.
لكن هذه المساحة لن تتحول إلى قوة اقتصادية إلا إذا استطاعت طشقند بناء اقتصاد محلي قادر على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى إنتاج وتكنولوجيا ووظائف.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس على الهند وحدها، ولا على الصين أو روسيا أو تركيا وأذربيجان.
الرهان على قدرة أوزبكستان نفسها.
فإذا نجحت في استثمار موقعها الجغرافي وتعدد شركائها في بناء قاعدة صناعية قوية، فقد تتحول طشقند خلال السنوات المقبلة إلى إحدى أهم العقد الاقتصادية التي تربط شرق آسيا بجنوبها والقوقاز وأوروبا.
أما إذا بقيت الاستثمارات منفصلة عن تطوير الإنتاج المحلي، فقد تحقق أوزبكستان انفتاحاً اقتصادياً واسعاً من دون أن تحقق التحول الذي تبحث عنه.
وفي النهاية، لن يكون السؤال: مع من تقف أوزبكستان؟
بل: كيف تستطيع أن تجعل الجميع يتنافسون على شراكتها، بينما تبني هي قوتها من الداخل؟