أوروبا تعيد توزيع القوة داخل الاتحاد
مشكلة أوروبا ليست عسكرية فقط بل قدرة على تمويل التحول
- Ali Ahmed
- 5 سبتمبر، 2026
- اخبار العالم, تقارير وترجمات
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
تشير التطورات الأوروبية إلى أن التحول الجاري لا يقتصر على صعود اليمين أو أزمة الهجرة، بل يمتد إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والسياسي داخل الاتحاد الأوروبي.
فالمحور الألماني الفرنسي الذي قاد المشروع الأوروبي لعقود يواجه ضغوطاً متزامنة، بينما تزداد أهمية إيطاليا وبولندا ودول وسط وجنوب أوروبا. ويصف ميخائيل من ليختنشتاين، في تحليل نشره اليوم، هذا التحول بأنه انتقال تدريجي في مركز الثقل الأوروبي من ألمانيا وفرنسا نحو إيطاليا وبولندا.
ويأتي ذلك في وقت تكشف فيه الأرقام الاقتصادية عن مشكلة ألمانية خاصة. فقد نما الاقتصاد الألماني 0.3 في المئة في الربع الثاني من 2026، بينما نما اقتصاد منطقة اليورو 0.4 في المئة. لكن الاقتصاد الألماني لم يزد منذ الربع الأخير من 2019 إلا 1.9 في المئة، وهي أضعف زيادة بين اقتصادات مجموعة السبع خلال الفترة نفسها.
وهنا تظهر المفارقة: الدولة التي كانت المحرك الصناعي والمالي للاتحاد أصبحت هي نفسها بحاجة إلى إعادة بناء نموذجها الاقتصادي.
وتؤكد التطورات الأخيرة في الصناعة هذه المشكلة. فقد ذكرت فايننشال تايمز أن ألمانيا تفقد جزءاً من جاذبيتها للاستثمارات الصناعية الخضراء، بعدما أصبحت إسبانيا والمجر أكثر قدرة على جذب استثمارات التكنولوجيا النظيفة.
وترتبط المشكلة، وفق التحليل، بارتفاع أسعار الطاقة وتراجع تنافسية الصناعة الألمانية بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
في المقابل، تتقدم بولندا بسرعة. فقد أصبحت سادس أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في 2025، متجاوزة بلجيكا والنمسا، كما تعمل على بناء واحدة من أكبر القدرات العسكرية في أوروبا.
والأكثر دلالة أن بولندا لا تكتفي بشراء السلاح، بل تتجه إلى تطوير صناعة دفاعية محلية ووسط أوروبية لتقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين. وتقول رويترز إن وارسو تريد استخدام عملية إعادة التسلح لتطوير قاعدة صناعية دفاعية قادرة على تلبية احتياجاتها بسرعة.
وهذا يعكس تحولاً تاريخياً مهماً.
في الفترة الممتدة من التسعينيات حتى أزمة اليورو، كانت القوة الأوروبية ترتكز بصورة أساسية على الاقتصاد الألماني والتفاهم الفرنسي الألماني.
أما اليوم، فإن الأمن يعيد ترتيب الخريطة. فالدول الأقرب إلى روسيا، وعلى رأسها بولندا ودول البلطيق، أصبحت أكثر تأثيراً في قضايا الدفاع، بينما أصبحت إيطاليا أكثر أهمية في ملفات المتوسط والهجرة والطاقة.
وفي هذا السياق، أنشأ الاتحاد الأوروبي مجموعة سياسية وعسكرية رفيعة المستوى تضم دولاً أعضاء وأوكرانيا والمملكة المتحدة بهدف معالجة فجوات القدرات الدفاعية الأوروبية. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس إن المجموعة ستعمل على تصميم مقاربة جديدة للدفاع الأوروبي.
لكن مشكلة أوروبا ليست عسكرية فقط.
إنها مشكلة قدرة على تمويل هذا التحول.
تحليل حديث في فايننشال تايمز يرى أن النمو الاقتصادي أصبح مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن الأوروبي؛ فزيادة الإنفاق الدفاعي بصورة مستدامة تحتاج إلى نمو اقتصادي قوي، في ظل ارتفاع الدين العام وضيق القدرة على زيادة الضرائب. ويقارن التحليل المرحلة الحالية بالحاجة إلى تحول اقتصادي كبير شبيه، من حيث الحجم التاريخي، بالتحول الذي شهدته اليابان خلال إصلاحات ميجي.
وهذا يفسر لماذا أصبح ملف النمو الصناعي أكثر أهمية من السابق.
فأوروبا تريد في الوقت نفسه تمويل الدفاع، وخفض الاعتماد على الطاقة المستوردة، وإعادة بناء الصناعات الاستراتيجية، ومنافسة الولايات المتحدة والصين في التكنولوجيا، والحفاظ على نموذجها الاجتماعي. وكل هدف من هذه الأهداف يحتاج إلى موارد ضخمة.
التعليق الاقتصادي الأبرز جاء من كاترين دو فريس، رئيسة قسم العلوم السياسية في مدرسة IE للسياسة والاقتصاد والشؤون العالمية، التي قالت في تحليل لرويترز إن الأحزاب الشعبوية اليمينية ليست متفقة اقتصادياً رغم تشابه خطابها السياسي، وإن صعودها في ألمانيا وفرنسا لا يعني وجود نموذج اقتصادي يميني موحد.
وهذه الملاحظة مهمة جداً عند قراءة الانتخابات المقبلة.
فإذا فاز اليمين، فلن يعني ذلك بالضرورة أن أوروبا ستتحول اقتصادياً إلى نموذج واحد. فقد يكون اليمين الإيطالي أكثر قبولاً بالاتحاد الأوروبي من اليمين الألماني، بينما قد يكون اليمين البولندي أكثر تشدداً تجاه روسيا، في حين يركز اليمين الفرنسي بدرجة أكبر على السيادة والهجرة.
الهجرة تقدم مثالاً آخر على إعادة تشكيل السياسة الأوروبية.
ففي 4 سبتمبر اتفقت ألمانيا والنمسا واليونان والدنمارك وهولندا على خطوات عملية نحو إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين خارج الاتحاد الأوروبي، مع استهداف إبرام اتفاقات خلال العام وإمكانية بدء عمليات الإعادة في 2027.
لكن هذه السياسة تواجه اعتراضات حقوقية.
فقد قالت شارلوت سلينته، الأمينة العامة للمجلس الدنماركي للاجئين، إن مراكز الإعادة لن تعالج بالضرورة أسباب الهجرة وقد تدفع بعض الأشخاص إلى طرق أكثر خطورة، فضلاً عن مخاطر انتهاك حقوق الإنسان. كما قال مجلس أوروبا في يوليو إن هذه المراكز تنطوي على مخاطر حقوقية كبيرة.
وهنا تختلف أوروبا 2026 بوضوح عن أوروبا 2015.
في 2015 كان السؤال: كيف تستوعب أوروبا موجة الهجرة؟
أما في 2026 فأصبح السؤال: كيف تمنع الهجرة غير النظامية، وكيف تعيد من لا يملك حق البقاء؟
أي أن مركز النقاش انتقل من الاستيعاب إلى السيطرة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع أزمة حدودية جديدة. فقد أثارت أزمة سبتة في الصيف نقاشاً واسعاً حول مستقبل نظام شنغن، بعدما دفعت تحركات الهجرة دولاً أوروبية إلى التفكير في توسيع إجراءات الرقابة على الحدود الداخلية. ويقول دافيد كولومبي، الباحث في الهجرة لدى مركز الدراسات السياسية الأوروبية، إن شنغن أصبح أحد ضحايا الديناميات السياسية الداخلية المرتبطة بالهجرة.
أما في إيطاليا، فقد أصبح الصراع داخل اليمين نفسه أكثر وضوحاً.
جورجيا ميلوني تحتفل حالياً بتجاوز حكومتها 1400 يوم، لتصبح أطول حكومة في تاريخ الجمهورية الإيطالية بعد الحرب. وتقول ميلوني إن الاستقرار السياسي عزز ثقة الأسواق بإيطاليا، لكن خصومها، وعلى رأسهم جوزيبي كونتي، يرون أن الاستقرار لم يتحول إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية كافية.
ثم يأتي روبيرتو فانّاتشي ليضغط من اليمين الآخر، داعياً اليوم إلى وقف التكامل السياسي الأوروبي وتحويل الاتحاد إلى منصة للتعاون بدلاً من أن يكون سلطة تفرض القواعد. ورد ماريو مونتي، رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، محذراً من أن استغلال مشاعر الغضب والاستياء يمكن أن يقود إلى نتائج خطيرة.
واللافت أن هذا الصراع الإيطالي يأتي في وقت يتقدم فيه اليمين أيضاً في فرنسا وألمانيا، وهو ما يعني أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين اليمين واليسار، بل بين أنواع مختلفة من اليمين نفسه.
التوقعات
المرحلة المقبلة ستتحدد بثلاثة عوامل مترابطة.
أولاً، هل تستطيع ألمانيا استعادة قدرتها الصناعية؟ إذا فشلت، فمن المرجح أن يستمر انتقال جزء من القوة الاقتصادية والاستثمارية إلى إسبانيا وبولندا وإيطاليا ودول وسط أوروبا.
ثانياً، هل تستطيع أوروبا تحويل الإنفاق الدفاعي إلى صناعة أوروبية حقيقية؟ فإذا بقيت الدول الأوروبية تشتري السلاح من خارج القارة، فإن زيادة الميزانيات العسكرية قد لا تؤدي إلى الاستقلال الاستراتيجي الذي تسعى إليه.
ثالثاً، هل تستطيع الحكومات التقليدية استعادة ثقة الناخبين قبل أن يتحول صعود اليمين إلى سيطرة فعلية على الحكومات؟
وهناك عامل رابع قد يصبح حاسماً خلال الشتاء: الطاقة.
فمخزونات الغاز الأوروبية في بداية سبتمبر لا تتجاوز نحو 65 في المئة، وهو مستوى منخفض قياسياً بالنسبة لهذه الفترة، بينما ارتفعت أسعار الغاز الهولندي إلى نحو 73 يورو للميغاواط/ساعة، مع احتمال ارتفاعها أكثر إذا استمرت اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
لكن أوروبا أصبحت أكثر استعداداً للطاقة المتجددة مقارنة بأزمة 2022. فقد أضافت القارة 8.8 غيغاواط من طاقة الرياح في النصف الأول من 2026، بزيادة تقارب الثلث عن الفترة نفسها من العام السابق، فيما أصبحت الرياح والطاقة الشمسية تنتجان في الاتحاد الأوروبي عام 2025 كهرباء أكثر من الوقود الأحفوري لأول مرة.
لذلك فإن السيناريو الأرجح ليس عودة أوروبا إلى أزمة 2022 بحذافيرها، وإنما استمرار ضغط الأسعار مع تسارع الاستثمار في الطاقة المحلية.
والخلاصة أن أوروبا تدخل مرحلة تاريخية تختلف عن 2008 و2015 و2022 معاً.
أزمة 2008 كانت مالية.
أزمة 2015 كانت ديموغرافية وسياسية مرتبطة بالهجرة.
أزمة 2022 كانت أمنية وطاقوية.
أما أزمة 2026 فهي إعادة تعريف شاملة لمصادر القوة الأوروبية.
فالقوة لم تعد تقاس فقط بحجم الاقتصاد الألماني أو الدور الفرنسي، وإنما أيضاً بالقدرة على إنتاج السلاح، وتأمين الطاقة، والسيطرة على الحدود، وجذب الاستثمار، ومنافسة الصين، والتعامل مع الولايات المتحدة من موقع أكثر استقلالاً.
والتطور الأهم خلال السنوات المقبلة قد يكون انتقال مركز الثقل الأوروبي تدريجياً من المحور الألماني الفرنسي وحده إلى شبكة أوسع تضم إيطاليا وبولندا وإسبانيا ودول وسط وشرق أوروبا.
وهذا التحول، إذا استمر، قد يكون أحد أهم التغييرات الجيوسياسية داخل الاتحاد الأوروبي منذ توسعاته الكبرى في شرق أوروبا بعد الحرب الباردة.