أهمية أداء حقوق العباد حتى للشهداء

د عطية لاشين

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد، عباد الله:

حديثنا اليوم عن حقوق العباد، ومدى عظيم مكانتها في الإسلام، حتى أنها مقدمة على حقوق الله -عز وجل- عند التعارض، ونتناول ذلك من خلال الحديث عن فضل الشهادة في سبيل الله، وما تكفره من الذنوب، وما لا تكفره.

فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
“يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين” (رواه مسلم).

وهذا يدل على أن حقوق العباد لا تسقط بمجرد الشهادة في سبيل الله، فالشهيد تُغفر له جميع ذنوبه إلا الدَّين الذي اقترضه ولم يسده، وبقي يماطل في أدائه حتى استشهد، فإنه يُسأل عنه أمام الله يوم القيامة.

وهذا يشير إلى أن حقوق العباد لا تكفرها الشهادة، سواء كانت تلك الحقوق عن :

الغيبة والنميمة،

أكل أموال الناس بالباطل،

عدم إعطاء الأخوات حقوقهن من الميراث،

الغصب والسرقة،

كل هذه الحقوق تظل في ذمة الشهيد، ويحاسب عليها يوم القيامة.

فاتقوا الله عباد الله، وكما أنكم تحرصون على أداء حقوق الله من صلاة وصيام وزكاة وحج، فكونوا كذلك في أداء حقوق العباد، ولا تظلموا أحدًا، ولا تهضموا حق أحد، فإن فعلتم ذلك فلن تنفعكم عباداتكم، ولن تشفع لكم طاعاتكم، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة.

والدليل القاطع على ذلك حديث تلك المرأة التي جاء ذكرها للنبي ﷺ، وكانت كثيرة الصلاة، كثيرة الصيام، كثيرة الصدقة، لكنها كانت تؤذي جيرانها بلسانها، فقال النبي ﷺ: “هي في النار” (رواه أحمد وصححه الألباني).

عباد الله: نفِّذوا الدين كما يجب أن يكون، وخذوا الإسلام كله كما أنزله الله، ولا تأخذوا منه ما يوافق أهواءكم وتتركوا ما يخالفها، فقد قال الله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ [الأعراف: 170].

وقال سبحانه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ [البقرة: 208]، أي خذوا الإسلام كله، بجميع أحكامه، سواء كانت لكم أو عليكم.

ولا تكونوا مثل من قال الله فيهم:
﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [النور: 48].

ولكن كونوا مثل من قال الله عنهم:
﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 51].

اللهم ارزقنا السمع والطاعة لشريعتك، وأعنا على أداء حقوق العباد، ونقِّ قلوبنا من الظلم والغل والحسد، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

د عطية لاشين – استاذ بالازهر