أهدافُ الحُكم: بين تيه النُّظُم القديمة ونهضة الإسلام

د. ياسر عبد التواب يكتب

كانت حياة العرب في الجاهلية قبل أن يطلع عليهم فجر الإسلام، نوعاً من الفوضى والاضطراب، فلم يكن لهم دين صدق يهديهم ولا رابطة   تجمع شتاتهم، وكان النظام السياسي الذي تنتظم الأمور فيه على صورة قبائل وعشائر متنافرة، وكانت قريش، وهي أم القبائل، منقسمة إلى طائفتين، إحداهما يتزعمها هاشم والأخرى يتزعمها أبن أخيه أمية، وكان لهذا التنافس الشديد أثره البالغ في تاريخ العرب بعد الرسالة.

ولما توفى هاشم خلفه في زعامة قومه عبد المطلب ، وحمل محمد (صلى الله عليه وسلم)، رسالة الإسلام فكانت الهدى والنور .. هدى الله بها من ضلالة وبصر بها من عمى   وتكفلت أحكامه برفع الأمة التي آمنت به من البداوة إلى أن تكون دولة عظمى دانت لها الممالك وخضعت لها الحضارات فكانت مصداقاً لقولـه تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس).

وبعد أن كانت الشورى مجرد أمل أو رغبة كامنة في صدور الناس، أحالتها الشريعة الإسلامية إلى حقيقة يمارسونها في حياتهم، على حكمها ينزل الحكام وبها يطمئن المحكومون، وبهذا وذاك تتحقق المشاركة الحقيقية التي تسعى وراءها الإنسانية بما وضعته من نظم سياسية ونيابية منذ أمد بعيد.

والحق يقال: إن الإنسانية لم تستطع حتى الآن رغم طول ما جربت من سبل وما بلغته من رقي وكثرة ما أفرزته من فنون الحكم وصور الحكومات والنظم السياسية على وجه العموم، لم تستطع الإنسانية أن تقيم نظاماً سياسياً يتحقق فيه العدل السياسي والاجتماعي بين الناس بالصورة التي جاء الإسلام ليحققها بها، فقد ذهبت الإنسانية في الحكم مذاهب مختلفة على نحو  ما هو قائم في العصر الحديث،

فكان أن جرّبت حكم الملوك الذين يرون أنفسهم ظلالاً للآلهة في زعمهم،  يرون  أن سلطانهم لا يأتيهم من الناس وإنما يأتيهم من آبائهم أو آلهتهم التي يدعون، فكانوا يصدرون فيما يأمرون به وما ينهون عنه أنفسهم وما يرونه، لا يعنيهم ما يراه الناس ولا ما يصلح به حالهم.

عرفت الإنسانية حُكم هؤلاء الملوك، وشقت به ، وعندما حاولت أن تغيره عرفت حكم القلة الأرستقراطية التي تستأثر بالعدل فيما بينها فقط، وعرفت حكم الطغاة الذين أقبلوا لينقذوا الناس من الظلم بينهم فإذا بهم كالمستجير من الرمضاء بالنار ، ثم عرفت الإنسانية بعد ذلك نظامًا من نظم الحكم تخيلت أنه من خير النظم وأرقاها وأقومها سبيلاً وأجداها أن يحقق العدل السياسي والاجتماعي بين الناس، وذلك النظم الذي يرد أمور الناس إليهم ليصرفوها كيفما شاؤوا وعلى النحو الذي يرضيهم وهو نظام الديمقراطية.

جربت الإنسانية هذا النظام فنالت منه قسطاً من العدل، ولأنهم لا يستطيعون أن يحكموا جميعاً فقد كان عليهم أن يَكِِلوا الأمور إلى ممثلين يختارونهم من بينهم، ثم غالباً ما يدِبُّ الخلاف بينهم وبين من اختاروهم، فتكون الغلبةُ للأقلية دون الأكثرية، بل غالباً ما لا يكون لهذه الأكثرية من الأمر شيء في النهاية فلقد تحولت الديمقراطية نفسها إلى ألعوبة في أيدي الأغنياء والساسة يخادعون بها شعوبهم

وما زالت البشرية  تبحث عن النظام القويم الذي يضمن للناس حكما صالحا حقيقيا يقوم على الشورى بينهم ويضمن للناس الحرية والعدل جميعاً

هذا النظام الذي تنشده البشرية، هو الذي جاءت به الشريعة الإسلامية فأكدت أن الشورى هي محور نظام الحكم في الإسلام، وهي وحدها الأساس الحق والضمانة الفعالة التي تحول دون الاستبداد إذا ما تمسك بها الناس ومارسوها بالفعل لا بالقول، فمكان الشورى هي القمة في بنيان الحكم الإسلامي

والشورى والتشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من قولهم: شرت العسل: إذا اتخذته من موضعه، واستخرجته منه.

وفي مجمع الأمثال للميداني :مَثَل (أوَّلُ الحَزْمِ المَشُورَةُ).

والمثلُ لأكْثَمَ بن صَيْفي.

ويروى عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال: الرجالُ ثلاثة: رجلٌ ذو عقلٍ ورأيٍ، ورجلٌ إذا حَزَبه أمر أتى ذا رأيٍ فاستشاره، ورجل حائر بائر لا يأتمر رَشَدَا ولا يطيع مُرْشِدًا.

***

فقد أمر الله رسوله بالشورى وأمر المؤمنين باتباع طريقها، يقول الحق بتارك وتعالى: }فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ{ (آل عمران:159)، ويقول تعالى في موضع آخر: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى:38)

وبذلك يتأكد أن الشورى نظام يقوم على أساسه، لا علاقة الحاكم بالمحكومين فحسب، بل أيضا علاقة الناس فيما بينهم، هكذا نزلت آيات الكتاب الكريم ثم انطلقت في إثرها الأحاديث النبوية الشريفة لتقيم نظاما كاملا للشورى،   ثم توالت الأحداث بعد ذلك لتطبيق في أحكام. شهد ذلك الصدر الأول من الإسلام،

قال البحتري :

يَا أُمَّةً كَانَ قُبْحُ الجَوْرِ يَسْخَطُهَا/

دَهْرًا، فَأَصْبَحَ حُسْنُ العَدْلِ يُرْضِيهَا/

ثم أتت على الناس الفتن والأحداث فخفت صوت الشورى وخبأ  نورها؛ فصار حالنا إلى ما نراه من تخلف  ويتعين علينا دائما أن نفرق بين النظام في ذاته وبين وضعه موضع التطبيق.

المصدر: جريدة الأمة الإليكترونية،