أن تكون عمرو موسى.. السياسة بنكهة شعبان عبد الرحيم
د. أيمن منصور ندا، يكتب:
- mabdo
- 5 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- ايمن منصور ندا, عمرو موسى, مقالات
حين غنّى شعبان عبد الرحيم “بحب عمرو موسى”، لم يكن يعلن إعجابه بالرجل فقط؛ كان، من حيث لا يدري، يغنّي لشبيهٍ سياسي.. كلاهما ابن مدرسة الصوت أعلى من الموقف: ظهور مزركش، ألوان فاقعة، وقفلة واحدة تعلق في الرأس.. مارس شعبان شعبويةً غنائية، ومارس موسى شعبويةً بروتوكولية؛ هذا بالجلابية، وذاك بالبدلة المفصّلة وربطة العنق.. كلاهما أتقن الضجيج المنضبط: أن يبدو خارج السرب، بغير أن يغادر القفص؛ تمرد مرخّص، واعتراض مأمون، ونشاز لا يفسد اللحن الرسمي.. شعبان لا يغنّي إلا في (المقامات) الآمنة، وموسى لا يسبح إلا في المياه الدافئة؛ يرفع الموج، لكنه لا يصنع العاصفة.. كلاهما مارس المعارضة التي لا تقطع حبل الرزق؛ واحد بالميكروفون، والآخر بالشوكة والسكينة.. والاختلاف بينهما، في أشياء كثيرة، اختلاف درجة لا نوع..
عمرو موسى متخصص في تحويل السلطة المؤسسية إلى رأسمال شخصي قابل للنقل.. تتغير الوظيفة، وتضعف المؤسسة، وينتهي التكليف؛ بينما تبقى “ماركة عمرو موسى” صالحة للتداول.. وهو ما يمكن تسميتها: “خصخصة الهيبة العامة”.. تمنحه الدولة المنصب وهيبته، وهو يعيد جزءاً من هذه الهيبة إلى الدولة، لكنه يحتفظ بالجزء الأكبر في حسابه الشخصي.. وهكذا خرج من الخارجية أكبر من وزارة الخارجية، ومن الجامعة العربية أشهر من الجامعة العربية، ومن لجنة الخمسين أكثر حضوراً من كثيرين شاركوا فيها.. الدولة أعطته المنصب.. والمنصب أعطاه الهيبة.. وعمرو موسى احتفظ بالإيصال..
لم تكن شعبية موسى وليدة إنجاز واحد محدد بقدر ما كانت نتاج أداء متصل: الصوت الجهوري، والجدية الصارمة، والوقفة الواثقة، والنظرة الحادة، واللغة الواضحة المباشرة، والأناقة المحسوبة، والقدرة على إظهار الغضب دون فقدان الوقار، والموهبة النادرة في جعل الجملة الدبلوماسية تبدو كأنها طلقة سياسية..كانت له مواقف حقيقية في الخارجية، واشتباكات معتبرة في ملفات إسرائيل والانتشار النووي وغيرها؛ لكنَّ موهبته الأهم لم تكن فقط في اتخاذ الموقف، بل في تحويل الموقف إلى جزء من صورة عمرو موسى.. خرج المواطن من كثير من هذه المعارك وهو لا يعرف ماذا ربحت مصر بالضبط، لكنه يعرف أن عمرو موسى “وقف لهم”.. وهكذا صار الغضب نفسه منتجاً سياسياً، وصار موسى يمارس نوعاً من دبلوماسية التنفيس القومي؛ يكفي أحياناً أن يشعر الجمهور أن هناك من يغضب بالنيابة عنه..
ولذلك كان عمرو موسى أقرب إلى الشعبوية ذات رابطة العنق: أرستقراطي في الأداء، شعبي في الصدى؛ ابن الصالون الذي يعرف كيف يُسمع صوته في الشارع.. لم يكن خطيباً شعبياً بالمعنى التقليدي، لكنه كان يفهم جيداً قيمة اللقطة، وقيمة النبرة، وقيمة أن تظهر مستقلاً عن رئيسك من دون أن تصبح مستقلاً عنه فعلاً.. وهنا ظهرت مبكراً مدرسة التمرد داخل كراسة الشروط: أن تختلف بما يكفي لكي تبدو مختلفاً، وألا تختلف بالقدر الذي يجعل استمرارك مستحيلاً.. شجاعته لم تكن بلا سقف؛ ميزتها أنه كان يعرف السقف بالسنتيمتر.. وهذه مهارة ممتازة لدبلوماسي يريد أن يستمر، لكنها تصبح أكثر التباساً عندما تتحول من أسلوب مهني إلى طبع سياسي دائم..
وفي الجامعة العربية ازداد التناقض وضوحاً؛ كان الأمين العام كثير الحركة، عالي الصوت، حاضر الصورة، بينما المؤسسة نفسها بقيت على حالها تقريباً: اجتماعات، قمم، بيانات، اعتراضات، ثم تأتي الأحداث الكبرى فتمضي في طريقها.. تم غزو العراق، واحترقت فلسطين ولبنان، وانفجرت ليبيا، وظلت الجامعة تملك من اللغة أكثر مما تملك من الأدوات.. وليس من الإنصاف تحميل موسى وحده عجز مؤسسة صُممت أصلاً بحيث لا تستطيع أن تفرض إرادتها على الدول؛ لكن من المشروع ملاحظة أن الرجل عرف كيف يخرج شخصياً من هذا العجز بأقل الخسائر.. ارتفع صوت الأمين العام كلما انخفض صوت الجامعة.. كان يملك مفردات القوة أكثر مما كانت المؤسسة التي يقودها تملك أدواتها؛ فبدا أحياناً معلّقاً رفيع المستوى على الموقف أكثر منه قادراً على تغييره..
في العراق احتج وحذر، وفي ليبيا أيد الخطوة ثم بدأ يضع المسافات عندما تغيرت طبيعتها وكلفتها؛ وفي معظم الملفات ظل النمط واحداً: عمرو موسى لا يحب المواقف التي لا تحتوي على مخرج طوارئ.. لا يحرق الجسر إذا كان يمكن أن يحتاج إليه غداً، ولا يضع كل أوراقه على الطاولة، ولا يختار الطريق الذي لا يسمح بالعودة.. تلك هي فضيلة الدبلوماسي ومشكلة السياسي في الوقت نفسه.. فالدبلوماسي الناجح يتعلم أن يقلل الخسائر، بينما القائد التاريخي يُطلب منه أحياناً أن يقبل خسارةً محسوبة لكي يصنع مكسباً لا يتحقق بغيرها.. الحذر أطال عمر عمرو موسى السياسي.. وربما قصّر قامته التاريخية..
ولدى موسى حس مرتفع بالمكانة وبكيفية رؤيته من الآخرين.. لا يحتاج المرء إلى تشخيص نفسي للرجل كي يلاحظ أن “الصورة” كانت جزءاً من مشروعه السياسي، لا مجرد نتيجة له.. عمرو موسى يستطيع الاستغناء عن المنصب؛ الأصعب أن يستغني عن الحضور.. تغيرت المقاعد، وبقي المقعد في الصف الأول ضرورةً شبه ثابتة.. حتى مذكراته تبدو أحياناً استمراراً لهذه الوظيفة؛ ليست فقط محاولةً لتسجيل التاريخ، بل لإدارة الطريقة التي سيتذكره بها التاريخ.. لم يكتب مذكراته بقدر ما أشرف على ترميم تمثاله.. في “كتابيه” لا يقدم عمرو موسى نفسه للقارئ بقدر ما يقدم له تمثالاً شمعياً لعمرو موسى: البدلة مضبوطة، الإضاءة مناسبة، والبطل دائماً في مركز الصورة.. إنها سيرة ذاتية الإضاءة؛ يكاد الضوء يعرف مسبقاً أين يقف صاحبه..
وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى: كلما ابتعدنا عن صورة عمرو موسى واقتربنا من حصيلة المؤسسات التي قادها، صغرت الإنجازات؛ وكلما عدنا إلى عمرو موسى نفسه، عاد النجاح كبيراً.. لا يعني ذلك أن الرجل لم ينجز، ولا أن المؤسسات فشلت بسببه؛ لكنه كان دائماً أقدر من مؤسساته على إدارة علاقته بالنجاح والفشل.. إذا نجحت المعركة أضافها إلى سيرته، وإذا فشلت المؤسسة بقيت هناك مسافة كافية بين اسمها واسمه.. ربما لم يفشل عمرو موسى في المؤسسات التي عمل بها؛ لكنه نجح دائماً في ترتيب العلاقة مع الفشل بحيث لا يصبح هو عنوانه.. كان يدخل المؤسسة موظفاً فيها، ثم يخرج منها وهي سطر في سيرته، بينما تستمر “ماركة عمرو موسى” في التداول..
لكن التاريخ، بخلاف البروتوكول، يملك حساً ساخراً.. في فيلم “الأيدي الناعمة” يذهب الأمير “شوكت حلمي” (أحمد مظهر) إلى مكتب (كاستينج) للقيام بدور (أمير) في فيلم سينمائي.. يتقدم للدور ويفشل، لأن أداءه لم يكن مقنعاً، رغم أنه يؤدي شخصيته الحقيقية.. وينجح مساعده (الدكتور حمودة) في الفوز بالدور!! وعمرو موسى عاش مفارقة قريبة جداً: أمضى سنوات طويلة يتصرف بشكل (رئاسي) Presidential وهو وزير؛ يدخل كما يدخل الرؤساء، يتحدث كما يتحدثون، يغضب بطريقتهم، ويجلس إلى جوارهم فلا يبدو أصغر من الصورة.. لكن عندما فُتح باب الرئاسة فعلاً، ظهر فيه الوزير..كان رئاسياً حين لم يكن مطلوباً منه أن يكون رئيساً؛ فلما طلبت مصر رئيساً، عاد يتصرف بطريقة الوزراء..
كانت ثورة 25 يناير امتحاناً قاسياً لكل الصفات التي صنعت نجاحه السابق.. الرجل الذي لا يحرق الجسور وجد نفسه أمام ثورة تقوم أصلاً على إسقاط جسر كامل.. والرجل الذي ينتظر وضوح الموازين وجد نفسه في لحظة تتغير فيها الموازين كل ساعة.. والرجل شديد الحرص على صورته وجد نفسه أمام موقف قد يصنع الصورة الجديدة أو يدمر القديمة.. لم يكن ضد الثورة، لكنه لم يكن رجل اللحظة الثورية أيضاً؛ تقدم حين بدا التغيير ممكناً، واحتفظ بخط الرجعة ما دام المستقبل غير مضمون.. أخذ خطوة إلى الثورة، وخطوتين إلى بوليصة التأمين.. كان يريد ركوب الموجة بعد أن يطمئن إلى اتجاه الشاطئ، لكن الموجات الكبرى لا تنتظر عادةً من يطمئن إليها..
وكان هذا التردد أغلى مما يبدو؛ لأن عمرو موسى لم يكن واحداً من عشرات المرشحين المدنيين المتشابهين.. كان، ربما، أكثرهم تأهلاً موضوعياً للرئاسة بعد 2011: يعرف الدولة من الداخل، ويعرف العالم من الخارج؛ ليس عسكرياً، وليس إسلامياً، وليس غريباً عن مؤسسات الحكم، ولا يحتاج إلى دورة تدريبية في التعامل مع الرؤساء والملوك والسفراء وأجهزة الدولة.. كان لديه ما لا يملكه حمدين صباحي من خبرة دولة، وما لا يملكه البرادعي من خبرة الاحتكاك الطويل بالبيروقراطية المصرية، وما لا يملكه أحمد شفيق من مسافة عن النظام القديم.. كان أقرب المدنيين إلى صورة الرئيس.. لكنه عندما جاءت الرئاسة تصرف كأنه ما زال وزيراً ينتظر أن تتضح له سياسة الرئيس..
ثم جاءت انتخابات 2012 لتكشف حدود “البراند”؛ دخل موسى السباق واسمه أشهر من معظم منافسيه، وخبرته أطول، وصورته أكثر رئاسية، ثم خرج خامساً بنحو 11% من الأصوات.. عرفه الجميع.. ولم يختره عدد يكفي منهم.. لم يخسر لأن المصريين لا يعرفونه، بل لأنهم عرفوه، ثم وجد كل معسكر مرشحاً أكثر وضوحاً في التعبير عنه.. الدولة القديمة وجدت شفيق، والإسلاميون وجدوا مرسي، وقطاعات من الثورة وجدت حمدين وأبو الفتوح.. أما موسى فكان مقبولاً لدى كثيرين، لكنه لم يكن ضرورياً لأحد.. كان لديه جمهور إعجاب، لا جمهور انتماء؛ اسم كبير، بلا تنظيم يوازيه، وحضور هائل، بلا ماكينة سياسية قادرة على تحويله إلى أصوات.. شعبان عبد الرحيم منحه لازمةً شعبية؛ الصندوق لم يمنحه لازمةً انتخابية..
وهنا لا تعود القصة قصة عمرو موسى وحده.. فبعد يناير كانت أمام مصر للمرة الأولى منذ عقود فرصة حقيقية لبناء البديل الثالث: بديل مدني لا هو التنظيم الديني، ولا هو الدولة بأجهزتها القديمة.. وكانت المادة الخام موجودة: حمدين يملك شيئاً من الشارع، وموسى يملك شيئاً من الدولة، والبرادعي يملك شيئاً من الشرعية الدولية والفكرة المؤسسية.. لكن المدنيين امتلكوا أجزاءً من رئيس ولم يستطيعوا تركيب الرئيس.. حمدين امتلك شيئاً من الناس ولم يمتلك الدولة، وموسى امتلك شيئاً من الدولة ولم يمتلك اللحظة، والبرادعي امتلك شيئاً من المستقبل ولم يحتمل كثيراً من الحاضر.. كان لدينا أسماء كبيرة، وطموحات كبيرة، وبديل ثالث ظل أصغر من مجموع أجزائه..
ومسؤولية موسى هنا أكبر من مجرد خسارة انتخابات؛ لأنه كان، بين الجميع، المرشح الذي كان يمكن أن يختصر المسافة بين “الدولة” و”المدنية”.. لم يكن يحتاج إلى هدم الدولة لكي يحكمها، ولا إلى طمأنتها بأنه يعرفها؛ كان واحداً من أبنائها، لكن من دون رتبة عسكرية أو تنظيم ديني.. وربما كان يمكنه، لو اتخذ موقفاً أوضح من الثورة، وبنى تنظيماً حقيقياً، ووضع كل رأسماله السياسي في المعركة بدلاً من الحفاظ على جزء منه لليوم التالي، أن يمنح البديل المدني ثقلاً مختلفاً.. لا أحد يستطيع أن يثبت أنه كان سينجح في الحكم؛ لكن من الصعب إنكار أن مصر فقدت فرصة اختبار أحد أكثر الاحتمالات المدنية جاهزية.. المأساة ليست أن عمرو موسى لم يكن مؤهلاً للرئاسة؛ المأساة أنه كان مؤهلاً لها إلى درجة تجعل فشله في الوصول إليها أكثر دلالة..
وكان خوفه على الصورة جزءاً من المشكلة.. الرجل الذي أمضى عقوداً في بناء الهيبة لم يكن مستعداً بسهولة لأن يضعها كلها في مقامرة واحدة.. دخل انتخابات الرئاسة كما يدخل الدبلوماسي مفاوضات مهمة: يحافظ على الأبواب مفتوحة، ويقلل الخصومات، ويترك لنفسه هامشاً للحركة.. لكن الرئاسة في لحظة تأسيسية لا تُدار دائماً بهذه الطريقة.. المرشح الرئاسي يحتاج في لحظة ما إلى أن يقول: هذا معسكري، وهذه معركتي، وهذه الخسائر التي أقبلها.. كانت مأساة عمرو موسى أنه تعامل مع انتخابات 2012 باعتبارها محطةً أخرى في مسيرة عمرو موسى، بينما كانت تحتاج منه أن يتعامل معها باعتبارها آخر محطة، وأن يضع كل ما جمعه على الطاولة.. لكنه احتفظ بجزء من الرصيد.. وضاعت الفرصة كلها..
وما حدث بعد ذلك أعاد مصر سريعاً إلى الثنائية التي كان يفترض أن يناير قد فتحت الباب للخروج منها: التنظيم الديني في مواجهة الدولة بأجهزتها.. لم يكن المصريون محكومين دائماً بهذا الاختيار؛ لكن التيار المدني فعل الكثير لكي يجعل الاختيار يبدو كذلك.. وحين فشل البديل الثالث في أن يتحول من أسماء محترمة إلى قوة منظمة قادرة على الحكم، لم يدفع حمدين وموسى والبرادعي وحدهم الثمن؛ دفعته مصر أيضاً.. كان يمكن، على الأقل، أن تدخل البلاد تجربة مدنية كاملة وتنجح أو تفشل بشروطها؛ لكن البديل المدني لم يصل أصلاً إلى مرحلة الاختبار.. خسر موسى الرئاسة، وخسر التيار المدني مرشحه الأكثر رئاسية، وخسرت مصر فرصة أن تختبر للمرة الأولى انتقالاً مدنياً من داخل الدولة لا من خارجها..
وهكذا نعود إلى شعبان عبد الرحيم.. الرجل الذي غنّى “بحب عمرو موسى” كان قد التقط مبكراً شيئاً حقيقياً: عمرو موسى ممتاز في القفلة؛ يعرف كيف يصنع الجملة التي تُحفظ، والصورة التي تبقى، والنبرة التي تمنح صاحبها شعبية أكبر من حدود منصبه.. لكن التاريخ لا يعمل بالقفلات.. يحتاج تنظيماً، وموقفاً لا مخرج طوارئ فيه، ولحظةً يقبل فيها السياسي أن يخاطر بالصورة لكي يصنع الواقع. شعبان غنّى القفلة، وعمرو موسى عاشها؛ لكن الصندوق طلب أغنيةً كاملة.. كان عمرو موسى رئاسياً حين لم يكن مطلوباً منه أن يكون رئيساً؛ فلما طلبت مصر رئيساً، ظهر فيه الوزير.. خسر عمرو موسى.. وخسرنا معه جميعاً..
بس خلاص..