أمة تصنع العزة من رحم العبادة

محمد نور امراء يكتب

فجر العزة وبشائر التمكين: مواسم الطاعة ومصارع الطغاة
الحمد لله الذي كتب العزة لدينه وأوليائه، وجعل عاقبة الاستكبار دماراً ومحواً، والصلاة والسلام على نبي الملحمة والرحمة، الذي تحطمت تحت ضربات هدايته تيجان الجبابرة، وعلى آله وصحبه الذين رفعوا منار العدل والتوحيد.
إنّ المتأمل في مسيرة هذه الأمة المباركة يدرك يقيناً أنها أمة ميمونة، لا تغيب عنها شمس الطاعة ولا تستبد بها ظلمات اليأس. لقد جعل الله تعالى تعاقب مواسم الخيرات عليها كأمواج النور المتلاحقة؛ لتغسل القلوب، وتجدد دماء الفخر والاعتزاز في عروق أبنائها. وإذا كانت الأمة تمر في بعض أطوار التاريخ بضعف أو محنة، فإن ذلك ليس إلا تمحيصاً وصقلاً للنفوس وفق السنن الإلهية في مداولة الأيام. إن غبار العصور العارضة لا يملك نزع الخيرية والمكانة العلية التي زكّى الله بها هذه الأمة في محكم تنزيله: **{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}**، وقوله سبحانه: **{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}**.
*مدرسة ذي الحجة.. ائتلاف العبادة وعزة التوحيد*
تتجلى معاني العزة والكرامة بأبهى صورها في ظلال عشر ذي الحجة؛ تلك الأيام التي عظّم الله شأنها فأقسم بها في كتابه ونوّه بها قائلًا: **{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}**، وهي الأيام التي أكد النبي ﷺ أن العمل الصالح فيها أحب إلى الله من كل ما سواها، حتى من الجهاد في سبيل الله إلا رجل جاهد بنفسه وماله ولم يرجع بشيء.
وتبلغ عزة الإسلام ذروتها بتجلي “أمهات العبادات” في آن واحد: من صلاة، وصيام، وحج، وصدقة، ترتكز كلها على أصل التوحيد الراسخ.
إن الصيام في هذه الأيام ليس مجرد كفّ عن المفطرات، بل هو تدريب تربوي على الاستعلاء عن الشهوات، ومباعدة عن النار كما جاء في الأثر: “باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً”.
*يوم عرفة.. بشرى الأمان الخالد واستعلاء الإيمان*
يأتي يوم عرفة -وهو أشرف أيام العام- ليكون تتويجاً لهذا السيل الروحي العارم. في هذا اليوم يتجلى دنو رب العزة جل وعلا ومباهاته بأهل الموقف، وتتنزل البشرى العظمى للأمة كلها منذ حجة الوداع، حين أخبر النبي ﷺ أن الله غفر لأهل عرفات وضمن عنهم التبعات. وعندما سأل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “يا رسول الله، أهذا لنا؟”، جاءه الجواب النبوي الشافي: “هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة”، لينطق عمر بكلمة تنبض بالأمل واليقين: **”كثر خير الله وطاب”**.
إن هذا الضمان الرباني يمنح المؤمن طمأنينة مطلقة بأن المستقبل لهذا الدين؛ فالأمة التي تحظى بهذا القبول وهذا الرضا الإلهي الممتد إلى يوم القيامة لا يمكن أن تُهزم نفسياً أو تنحني أمام جبروت مادي زائل.
*تدبر سورة الفجر.. مصارع الجبابرة وحتمية الزوال*
حين نربط معاني العزة في ذي الحجة بآيات سورة الفجر، نجدها تسكب في روع المسلم شلالات من اليقين. إنها سورة مكية وضعت للدعاة والمستضعفين منهجاً تربوياً واضحاً: **أن نهاية طريق الهداية هي النجاة، ونهاية طريق الطغيان هي الهلاك والاجتثاث**.
ويأتي القسم الإلهي ليعزز هذا المفهوم:
* **{وَالفَجْر}**: وهو الضياء الذي يمزق ظلام الليل، وفجر العزة الذي ينبثق بعد الشدة.
* **{وَلَيَالٍ عَشْرٍ}**: وهي عشر ذي الحجة في تنكير يفيد التعظيم والتفخيم.
* **{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر}**: يوم النحر ويوم عرفة، وهما رمزا العزة والتضحية.
* **{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْر}**: حركة الليل وإدباره، كإدبار الباطل وزواله.
هذا القسم يهز العقول الحية: **{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}**؛ والعقل الحقيقي هو الذي يحجر صاحبه عن الركون إلى الظلمة ويثق بأن الله تعالى **”بالمرصاد”** لكل جبار.
لقد حطم القرآن المنطق المادي الذي يرى في القوة المادية خلوداً، واستعرض التاريخ كأكبر شاهد على زوال الطغاة:
1. **قوم عاد (إرم ذات العماد)**: أصحاب القوة البشرية الضاربة الذين قالوا مستكبرين: “من أشد منا قوة؟”، فأهلكهم الله بجندي لطيف من جنده (ريح صرصر عاتية).
2. **قوم ثمود**: الذين قطعوا الجبال ونحتوا الصخور الفارهة، فما أغنت عنهم قوتهم من الله شيئاً وأخذتهم الصيحة.
3. **فرعون ذو الأوتاد**: صاحب الجيش الجرار والملك العريض، الذي استدرجه الله فأغرقه في اليم، وجعل بدنه آية باقية تشهد على صدق التنزيل وهوان المستكبرين.
*فرضية المدافعة.. من الاستئصال إلى شرف الجهاد*
لقد شهد التاريخ الإنساني تحولاً كبيراً في السنن الإلهية لدفع الظلم:
* **قبل موسى عليه السلام**: كانت السنة الإلهية تقضي بعذاب الاستئصال المباشر من السماء أو الأرض (كالريح، والصيحة، والغرق) دون تدخل بشري.
* **بعد نزول التوراة**: فرض الله تعالى مدافعة الظلم بأيدي المؤمنين.
إن الله قادر على إهلاك الطغاة بكلمة “كن”، ولكنه سبحانه أراد للأمة أن تنال شرف الكفاح والانتصار للحق: **{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}**. فالواجب التربوي والعملي اليوم يقتضي من المسلمين ألّا يستكينوا لغطرسة المستبدين، بل يسلكوا طريق الهداة في المدافعة والانتصار بوعي ويقين.
*واجب الوقت.. الاستعلاء بالإيمان والاعتزاز بالشعائر*
إن عشر ذي الحجة تمثل إعلاناً سنوياً لعزة الإسلام؛ ففي ساحات الحج تذوب الفروق الطبقية والمادية والمناصب، ويلتفت الملايين بلباس واحد هاتفين بتوحيد الله. في هذا المشهد المهيب تتهدم هيبة الفراعنة، ويسقط كل طاغوت يُعبد من دون الله، ونستحضر إرث الخليل إبراهيم عليه السلام الذي تحدى نمرود زمانه وحيداً فكان هو الأعز بالله.
إن الطغاة يذهبون، وتزول ممالكهم، ويُسحقون في مزابل التاريخ، بينما يبقى الأذان يتردد ويبقى البيت الحرام محجوجاً ومقصوداً. لذلك، فإن واجب الوقت يفرض على المؤمنين:
* **الاستعلاء الإيماني** ورفض الهزيمة النفسية أمام الآلة العسكرية أو الإعلامية للظالمين.
* **إظهار الشعائر بفخر واعتزاز**، واليقين بأن دماء الشهداء وتضحيات المستضعفين لن تضيع هدراً، فمشهد الأضحية والنحر يذكرنا دائماً بالفداء والفرج بعد الضيق.
*أمل يشرق ونصر يلوح*
على المسلم في هذه الأيام المباركة أن يشمر عن سواعد الجد؛ بالتوحيد الخالص، وكثرة الذكر، والمحافظة على الصلوات، والإحسان إلى الخلق، مستحضراً ثمرات العمل الصالح من حياة طيبة وقناعة في الدنيا وفوز بالجنان في الآخرة.

اللهم يا قوي يا متين، يا من قصمت عاداً وثمود وفرعون، ويا من وعدت بنصر عبادك المؤمنين؛ نسألك في هذه الأيام العشر المباركة، ومن فوق جبل عرفات الطاهر، أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تكسر شوكة الظالمين والمستبدين.
اللهم انصر وأعز واحمِ المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها؛ في غزة الأبية وأرض فلسطين، ومسلمي الإيغور في تركستان الشرقية، وإخواننا في بورما، والسودان، واليمن، وليبيا، وفي كل شبر يُذكر فيه اسمك. اللهم اجعل فجرنا فجر عزة ونصر، واجعل عاقبتنا نجاة وظفراً، ولا تحنِ جباهنا لغير كرمك يا رب العالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقا