أفغانستان بين المرجعية الإسلامية والأزمة المعيشية
وسط تراجع المساعدات والاضطرابات الإقليمية
- dr-naga
- 17 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أفغانستان, الأزمة المعيشية, الاضطرابات الإقليمية, المرجعية الإسلامية, المساعدات, تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية
تواجه الحكومة الأفغانية التي تقودها حركة طالبان تحديًا مركبًا يجمع بين إدارة الدولة وفق مرجعيتها الإسلامية، وتحسين الأوضاع المعيشية لملايين المواطنين، والتعامل مع الضغوط الدولية التي تعوق تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية.
وفي أحدث تطور، حذرت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، في 15 أكتوبر 2026، من أن نحو 19.2 مليون أفغاني قد يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي خلال موسم الشتاء الممتد من نوفمبر إلى أبريل، في واحدة من أشد الأزمات الإنسانية التي تواجه البلاد.
لكن تفسير هذه الأزمة لا يمكن اختزاله في سياسات الحكومة وحدها، كما لا يمكن فصلها عن القيود الدولية وتراجع المساعدات والاضطرابات الإقليمية والجفاف والبطالة وعودة ملايين الأفغان من الخارج.
الحكومة تتحدث عن الأمن والاستقرار والسيادة
تستند حركة طالبان في دفاعها عن تجربتها إلى مجموعة من الحجج، في مقدمتها أنها أنهت مرحلة طويلة من الحرب الداخلية والوجود العسكري الأجنبي، وأنها أعادت فرض سلطة مركزية على معظم الأراضي الأفغانية، وتسعى إلى إقامة نظام يتوافق مع فهمها للشريعة الإسلامية والتقاليد الاجتماعية المحلية.
ويرى أنصار هذا التوجه أن تقييم التجربة ينبغي ألا يقتصر على طبيعة النظام السياسي أو علاقاته بالدول الغربية، بل يجب أن يشمل الأمن الداخلي، والحد من النزاعات المسلحة، ومكافحة المخدرات، وتطوير البنية الأساسية، واستعادة قدرة المؤسسات على العمل.
وقد أقرت الأمم المتحدة في إحاطتها بشأن أفغانستان في سبتمبر 2026 بوجود قدر من الاستقرار الاقتصادي الكلي وتحسن في بعض جوانب السيطرة الإدارية، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن هذا الاستقرار لم يتحول إلى تعافٍ اقتصادي كافٍ، وأن دخل الفرد تراجع وأن انخفاض المساعدات أضعف قدرة الأسر على مواجهة تكاليف المعيشة.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين الاعتراف بوجود جوانب إيجابية في الأمن والإدارة وبين اعتبار جميع السياسات الحكومية ناجحة؛ فكل ملف يحتاج إلى تقييم مستقل يستند إلى بيانات قابلة للتحقق.
لماذا تتعرض أفغانستان لضغوط اقتصادية؟
تعاني البلاد من آثار عقود الحرب، وضعف البنية الصناعية، والاعتماد على الواردات والمساعدات الخارجية، إلى جانب القيود المالية والمصرفية التي أعقبت عودة طالبان إلى الحكم عام 2021. كما زادت عودة أعداد كبيرة من اللاجئين من إيران وباكستان الضغط على سوق العمل والخدمات العامة.
وفي 15 أكتوبر، أشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء والنقل، وقلة فرص العمل، وانخفاض المساعدات الإنسانية تتضافر في تقليص قدرة الأسر على شراء الغذاء، حتى مع تسجيل موسم زراعي جيد نسبيًا.
وتكشف هذه الصورة أن زيادة الإنتاج الزراعي وحدها لا تكفي إذا لم يمتلك المواطن دخلًا يتيح له شراء المنتجات، كما أن توزيع المساعدات لا يعالج جذور الأزمة ما لم يترافق مع الاستثمار وخلق فرص العمل وتطوير الأسواق.
ومن منظور الحكومة الأفغانية، فإن توسيع التجارة الإقليمية والاستثمار في التعدين والزراعة والبنية الأساسية يمكن أن يقلل الاعتماد على المساعدات ويمنح البلاد استقلالًا اقتصاديًا أكبر. غير أن نجاح هذه التوجهات يتطلب توفير بيئة استثمارية مستقرة، ونظامًا ماليًا قادرًا على التعامل مع الخارج، وضمانات واضحة لحقوق المستثمرين والعمال.
المرجعية الإسلامية وحقوق النساء والفتيات
يمثل ملف تعليم النساء وعملهن أحد أكثر الملفات خلافًا بين طالبان والمجتمع الدولي، لكنه يحتاج إلى عرض دقيق لموقف السلطات قبل مناقشته.
تقول طالبان إنها تسعى إلى تنظيم التعليم والعمل والحياة العامة وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وتستند في خطابها إلى أهمية الفصل بين الجنسين والضوابط الدينية والتقاليد الاجتماعية الأفغانية. كما يؤكد مؤيدوها أن تطبيق النظام الإسلامي يجب أن يراعي طبيعة المجتمع المحلي، وألا يُفرض على البلاد نموذج اجتماعي مستورد من الخارج.
لكن هذه الحجج لا تحسم الخلاف الفقهي بشأن التعليم والعمل؛ فالعلماء المسلمين يختلفون في بعض تفاصيل التنظيم الاجتماعي، بينما توجد مواقف واسعة في العالم الإسلامي تؤكد أهمية تعليم النساء ومشاركتهن في المهن التي تحتاج إليها المجتمعات، بما فيها الطب والتعليم.
وتتمثل المشكلة العملية في أن القيود المفروضة على التعليم الثانوي والجامعي للنساء تحد من إعداد الطبيبات والمعلمات والموظفات، وتؤثر في الأسر التي تحتاج إلى دخل إضافي. وقد حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة في تقرير صدر عام 2026 من أن استمرار القيود على تعليم الفتيات ومشاركة النساء في سوق العمل يسبب خسائر اقتصادية ويضعف قدرة البلاد على تطوير الخدمات الأساسية.
ومن ثم، فإن النقاش المتوازن لا يقتضي تجاهل المرجعية الدينية التي تتبناها الحكومة، ولا افتراض أن كل انتقاد لها عداء للإسلام؛ بل يقتضي بحث مدى اتساق السياسات المطبقة مع التفسيرات الإسلامية المختلفة، وقياس آثارها الفعلية على المجتمع، والاستماع إلى العلماء الأفغان والنساء والأسر والمؤسسات التعليمية.
هل تؤدي العزلة الدولية إلى تغيير السياسات؟
تواجه أفغانستان معضلة في علاقاتها الخارجية. فالحكومة تريد الاعتراف السياسي وتوسيع التجارة وجذب الاستثمارات، بينما تربط دول ومؤسسات دولية جوانب من تطبيع العلاقات بإجراء تغييرات في ملفات حقوق النساء والتمثيل السياسي ومكافحة الإرهاب.
ويجادل منتقدو سياسة العزل بأن تقليص المساعدات والقيود المالية يضر بالسكان أكثر مما يغير قرارات القيادة، وأن استمرار العقوبات والضغوط قد يزيد اعتماد الاقتصاد على قنوات محدودة ويؤخر التعافي.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن الشروط الدولية أن الانفتاح غير المشروط قد يقلل الحوافز المتاحة لتعديل السياسات التي تعترض عليها قطاعات من الأفغان والمجتمع الدولي.
ولا تثبت التجربة حتى الآن أن العزلة وحدها قادرة على تحقيق تغيير سياسي شامل، كما لا يوجد ما يضمن أن الانفتاح غير المشروط سيؤدي إلى إصلاحات. لذلك، يبدو من المفيد بحث مقاربة عملية تجمع بين استمرار المساعدات الإنسانية، وتوسيع التعامل الاقتصادي الذي يخدم السكان، وفتح قنوات الحوار، وربط بعض الحوافز بخطوات محددة وقابلة للتحقق.
ما الخيارات المتاحة أمام الحكومة الأفغانية؟
يمكن للحكومة أن تعزز موقفها الداخلي والخارجي من خلال توسيع فرص العمل، ودعم المشروعات الصغيرة والزراعة، وتحسين إدارة الإيرادات، وتطوير التعليم والتدريب المهني، إلى جانب مراجعة السياسات التي تحد من مشاركة النساء في قطاعات تحتاج إليهن البلاد.
كما يمكن للدول الإسلامية أن تؤدي دورًا أكثر فاعلية عبر الحوار الديني والسياسي، ودعم المشروعات الإنتاجية، وتبادل الخبرات في التعليم والخدمات العامة، بدل حصر العلاقة مع أفغانستان في المواقف السياسية المتعارضة.
أما الأولوية الإنسانية العاجلة فتتمثل في ضمان وصول الغذاء والدواء إلى المحتاجين، ولا ينبغي أن تتحول الخلافات السياسية إلى سبب لحرمان السكان من المساعدة.
وفي النهاية، لا يتوقف مستقبل أفغانستان على قدرتها على الدفاع عن سيادتها ومرجعيتها الإسلامية فحسب، بل كذلك على قدرتها على تحويل هذه المرجعية إلى سياسات تحقق العدل وتحفظ كرامة المواطنين وتوفر لهم التعليم والعمل والأمن. ويظل الحكم على التجربة مرتبطًا بما تحققه فعليًا على الأرض، لا بمجرد الشعارات المؤيدة لها أو المعارضة.
المصادر
برنامج الأغذية العالمي، 15 أكتوبر 2026، تقرير الأمن الغذائي في أفغانستان وتوقعات الشتاء.
منظمة الأمم المتحدة للطفولة، أبريل 2026، تقرير «تكلفة عدم التحرك» بشأن تعليم الفتيات ومشاركة النساء في سوق العمل.
الأمم المتحدة، إحاطة بشأن الوضع في أفغانستان أمام مجلس الأمن، 16 سبتمبر 2026.