أزمة هرمز تتصاعد بين واشنطن وطهران وتغير المعادلات
الأزمة تعكس تداخلا معقدا بين السياسة والعسكر والاقتصاد،
- السيد التيجاني
- 6 مايو، 2026
- تقارير
- الولايات المتحدة, طهران, مضيق هرمز, واشنطن
يشهد مضيق هرمز تطورات متسارعة تعكس تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة، بعد إعلان ماركو روبيو انتهاء العمليات الهجومية الأمريكية ضد إيران، والدخول في مرحلة “دفاعية” ضمن إطار عملية جديدة تحمل اسم “مشروع الحرية”. وفي المقابل، أعلنت طهران عن آلية جديدة لتنظيم عبور السفن، في خطوة تعكس انتقالها إلى نمط إدارة مباشرة للممر البحري الأكثر حساسية في العالم.
تحول في الاستراتيجية الأمريكية
تصريحات روبيو تمثل تحولا لافتا في الاستراتيجية الأمريكية، حيث انتقلت واشنطن من نهج العمليات العسكرية المباشرة إلى سياسة الردع الدفاعي. هذا التحول، بحسب محللين، لا يعني تراجعا بقدر ما يعكس إعادة تموضع تكتيكي، خاصة مع الضغوط الداخلية من الكونغرس على إدارة دونالد ترامب للالتزام بالأطر القانونية المتعلقة بنشر القوات.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية ريتشارد هاس أن “إعلان انتهاء العمليات الهجومية لا يعني نهاية الصراع، بل هو انتقال إلى مرحلة أكثر حساسية تعتمد على إدارة التوازن ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة”. ويضيف أن واشنطن تسعى إلى الحفاظ على حرية الملاحة دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
في المقابل، يشير الباحث العسكري مايكل نايتس إلى أن “المرحلة الدفاعية قد تكون أكثر خطورة، لأنها تقوم على قواعد اشتباك غير مستقرة، حيث يمكن لأي حادث محدود أن يتطور إلى مواجهة واسعة”.
آلية إيرانية جديدة: سيطرة أم تنظيم؟
إعلان طهران إنشاء آلية جديدة لإدارة مرور السفن في مضيق هرمز يمثل تطورا نوعيا، إذ يشير إلى محاولة فرض واقع ميداني جديد. ووفق تصريحات محمد باقر قاليباف، فإن بلاده تعمل على “ترسيخ معادلة جديدة” في المضيق.
هذه الآلية، التي تتضمن تنسيق السفن التجارية مع الجيش الإيراني واتباع مسارات محددة، أثارت جدلا واسعا بين الخبراء. فبينما يرى البعض أنها خطوة لتنظيم الملاحة في ظل التوترات، يعتبرها آخرون محاولة لفرض سيادة أمر واقع على ممر دولي.
الباحثة في شؤون الأمن البحري أوليفيا تروير ترى أن “إيران تحاول تحويل المضيق من ممر دولي مفتوح إلى منطقة نفوذ خاضعة لإدارتها المباشرة، وهو ما يتعارض مع القانون الدولي”. في حين يعتقد الخبير الآسيوي وانغ يي وي أن “الخطوة الإيرانية قد تكون مؤقتة ومرتبطة بظروف التصعيد، وتهدف إلى الضغط السياسي أكثر من تغيير دائم في قواعد الملاحة”.
أزمة السفن العالقة وتداعياتها الاقتصادية
تسببت الأزمة في تكدس مئات السفن داخل المضيق، حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 900 سفينة عالقة، ما أدى إلى اضطراب كبير في سلاسل الإمداد العالمية. ويُعد مضيق هرمز شريانا حيويا يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على الأسواق.
الخبير الاقتصادي محمد العريان يحذر من أن “استمرار الأزمة قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة عالميا، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة”، مضيفا أن الأسواق “تتفاعل بسرعة مع أي تهديد في المضائق الحيوية”.
وفي السياق ذاته، تشير بيانات شركات الشحن إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري بشكل غير مسبوق، إضافة إلى تأخير في تسليم الشحنات، ما ينعكس سلبا على التجارة الدولية.
تباين في التقديرات العسكرية
رغم إعلان التهدئة النسبية، لا تزال المؤسسة العسكرية الأمريكية تؤكد جاهزيتها للتصعيد. فقد أشار الجنرال دان كين إلى أن القوات مستعدة لاستئناف العمليات إذا لزم الأمر، محذرا من تفسير “ضبط النفس” على أنه ضعف.
في المقابل، يؤكد محللون إيرانيون أن طهران لم تستخدم بعد كامل قدراتها، معتبرين أن الإجراءات الحالية تمثل “مرحلة أولية” فقط. هذا التباين في التقديرات يعكس حالة من الردع المتبادل، حيث يسعى كل طرف إلى تجنب الحرب الشاملة مع الحفاظ على أوراق الضغط.
البعد الإقليمي والدولي
التصعيد في مضيق هرمز لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، خاصة مع استمرار التوتر بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. كما أن تداعيات الأزمة تمتد إلى دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على استقرار الملاحة.
ويرى المحلل السياسي عبدالخالق عبدالله أن “دول الخليج تجد نفسها في موقف حساس، إذ تسعى للحفاظ على أمنها دون الانخراط المباشر في الصراع”.
دوليا، تراقب القوى الكبرى مثل الصين وروسيا الوضع عن كثب، نظرا لاعتمادهما الكبير على إمدادات الطاقة من المنطقة. وقد يدفع استمرار الأزمة هذه الدول إلى لعب دور أكبر في الوساطة.
سيناريوهات المستقبل
تتباين توقعات الخبراء بشأن مستقبل الأزمة. فهناك من يرجح استمرار الوضع الحالي كحالة “لاحرب ولاسلم”، حيث يتم احتواء التوتر دون حله. بينما يرى آخرون أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انفجار واسع.
ريتشارد هاس يعتقد أن “أفضل سيناريو هو العودة إلى المفاوضات، لكن ذلك يتطلب تنازلات من الطرفين”. في حين يحذر مايكل نايتس من أن “التصعيد التدريجي قد يقود إلى مواجهة غير مقصودة”.
أما وانغ يي وي فيرى أن “الدور الصيني قد يكون حاسما في تخفيف التوتر، خاصة مع علاقاتها المتوازنة مع الطرفين”.
الأزمة في مضيق هرمز تعكس تداخلا معقدا بين السياسة والعسكر والاقتصاد، حيث تسعى كل من واشنطن وطهران إلى فرض معادلات جديدة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وبينما تعلن الولايات المتحدة نهاية العمليات الهجومية، ترد إيران بإجراءات ميدانية تعزز نفوذها في المضيق.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى المستقبل مفتوحا على عدة احتمالات، تتراوح بين التهدئة المشروطة والتصعيد المفاجئ، ما يجعل المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتطلب توازنا دقيقا بين القوة والدبلوماسية.