آسيان تواجه اختبار التوازن بين أميركا والصين
بحر الصين الجنوبي وميانمار والحرب في إيران تتصدر أجندة اجتماعات مانيلا
- محمود الشاذلي
- 20 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- آسيان, أميركا والصين, الحرب في إيران, العاصمة الفلبينية مانيلا, بحر الصين الجنوبي
مع بدء اجتماعات وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في العاصمة الفلبينية مانيلا، تجد المنظمة نفسها أمام اختبار سياسي ودبلوماسي بالغ التعقيد، في ظل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار النزاعات الإقليمية، وامتداد تأثير الحرب في إيران إلى طرق التجارة العالمية وأمن الطاقة.
وتُعد الاجتماعات، التي تستمر حتى 24 يوليو، من أبرز المحطات الدبلوماسية في آسيا هذا العام، إذ تجمع إلى جانب الدول الأعضاء كبار شركاء الحوار، بينهم الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان والاتحاد الأوروبي، في وقت تتزايد فيه رهانات القوى الكبرى على منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
معادلة صعبة بين واشنطن وبكين
منذ تأسيسها قبل نحو ستة عقود، حرصت “آسيان” على انتهاج سياسة تقوم على التوازن وعدم الانحياز، إلا أن هذه السياسة أصبحت أكثر صعوبة مع تصاعد التنافس الاستراتيجي بين أكبر اقتصادين في العالم.
فالدول الأعضاء ترتبط بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة مع الصين، التي أصبحت الشريك الاقتصادي الأول لمعظم اقتصادات جنوب شرقي آسيا، بينما تعتمد في الوقت نفسه على الولايات المتحدة في ملفات الأمن والدفاع، سواء عبر الاتفاقيات العسكرية أو التعاون الاستراتيجي، خاصة في الفلبين وسنغافورة.
هذا التداخل في المصالح يدفع حكومات المنطقة إلى تجنب الانخراط في أي محور دولي، خشية أن يؤدي ذلك إلى الإضرار باقتصاداتها أو استقرارها الأمني.
بحر الصين الجنوبي يفرض نفسه
يبقى النزاع في بحر الصين الجنوبي القضية الأكثر حساسية خلال اجتماعات مانيلا، مع استمرار الخلافات بين الصين وعدد من دول “آسيان” بشأن السيادة على الجزر والمياه الإقليمية.
ورغم استمرار المحادثات الخاصة بوضع “مدونة سلوك” تنظم التحركات في المنطقة البحرية المتنازع عليها، فإن المفاوضات لم تحقق حتى الآن اختراقًا حقيقيًا، بينما تستمر الاحتكاكات البحرية بين السفن الصينية ونظيراتها الفلبينية والفيتنامية.
ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى زيادة عسكرة المنطقة، في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة وجودها العسكري لدعم حلفائها، مقابل تعزيز الصين انتشارها البحري.
تداعيات الحرب في إيران
ولم تعد التطورات في الشرق الأوسط بعيدة عن أجندة “آسيان”، إذ فرضت الحرب في إيران نفسها باعتبارها عاملًا مؤثرًا في أمن التجارة العالمية.
وتعتمد اقتصادات جنوب شرقي آسيا بصورة كبيرة على استقرار خطوط الملاحة الدولية وواردات الطاقة، ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية أو أسواق النفط مصدر قلق مباشر لدول المنطقة.
ومن المتوقع أن تؤكد “آسيان” خلال اجتماعاتها ضرورة حماية الملاحة الدولية، والالتزام بالقانون الدولي، وتشجيع الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع رقعة الصراع، بما ينسجم مع نهجها التقليدي القائم على الحياد.
ميانمار… جرح لم يلتئم
ورغم هيمنة الملفات الدولية على الاجتماعات، تبقى أزمة ميانمار الاختبار الأصعب أمام “آسيان”، بعد أكثر من خمس سنوات على الانقلاب العسكري الذي أدخل البلاد في دوامة من الصراع الداخلي.
ولم تنجح مبادرة “توافق النقاط الخمس” التي أطلقتها الرابطة في إنهاء العنف أو دفع الأطراف نحو تسوية سياسية، بينما تستمر المواجهات المسلحة وتتفاقم الأوضاع الإنسانية.
وتحاول المنظمة إعادة إحياء جهود الوساطة، لكن تباين مواقف الدول الأعضاء، إلى جانب تعقيدات المشهد الداخلي في ميانمار، يقلص فرص تحقيق تقدم ملموس في المستقبل القريب.
تعكس اجتماعات مانيلا حجم الضغوط التي تواجهها “آسيان” للحفاظ على ما يُعرف بـ”مركزية الرابطة”، أي بقائها منصة رئيسية للحوار والتنسيق بين القوى الكبرى، بدلاً من تحول جنوب شرقي آسيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
ورغم أن التوقعات لا تشير إلى صدور قرارات تغير موازين القوى في المنطقة، فإن نجاح “آسيان” في الحفاظ على وحدة أعضائها وإيصال رسالة موحدة بشأن الأمن الإقليمي سيكون مؤشرًا مهمًا على قدرتها على مواصلة أداء دورها الدبلوماسي في عالم يشهد استقطابًا متزايدًا.
وفي ظل تعاظم المنافسة بين واشنطن وبكين، تبدو سياسة التوازن التي اتبعتها “آسيان” لعقود أكثر صعوبة من أي وقت مضى، لكنها لا تزال الخيار الأكثر واقعية بالنسبة لدول تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية، وتجنب الانجرار إلى صراعات القوى الكبرى.
