«مصنع المنسوجات».. القصة السرية وراء البرنامج النووي الإسرائيلي
وثائق تاريخية تعيد فتح ملف الترسانة النووية الإسرائيلية
- محمود الشاذلي
- 7 نوفمبر، 2026
- اخبار العالم, تقارير وترجمات
- إسرائيل, البرنامج النووي, مصنع المنسوجات
على مدار أكثر من ستة عقود، ظلت القدرات النووية الإسرائيلية محاطة بستار من السرية والغموض، في ظل سياسة مشتركة بين تل أبيب وواشنطن تقوم على تجنب الاعتراف الرسمي بامتلاك إسرائيل أسلحة نووية، رغم الاعتقاد السائد دوليًا بوجود ترسانة نووية لديها.
وكشف تحقيق لشبكة «سي إن إن»، استند إلى وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية وشهادات خبراء، جانبًا من تاريخ هذه السياسة، بدءًا من اكتشاف منشأة ديمونا النووية في صحراء النقب، مرورًا بالتحركات الأمريكية لاحتواء تداعيات المشروع، وصولًا إلى التفاهمات السياسية التي ساعدت على استمرار الغموض النووي الإسرائيلي.
وتعود القصة إلى عام 1960، عندما لاحظ دبلوماسيون أمريكيون خلال رحلة بمروحية فوق النقب منشأة قيد الإنشاء بالقرب من البحر الميت.
وعندما سألوا المسؤول الإسرائيلي عدي كوهين عن طبيعتها، أجاب بأنها مصنع للمنسوجات، قبل أن تكشف الاستخبارات الأمريكية أن الموقع يضم مشروعًا نوويًا سريًا في ديمونا.
وأظهرت برقية دبلوماسية أمريكية أن المسؤولين في واشنطن لم يقتنعوا بالتفسيرات الإسرائيلية، واعتبروا أن هناك مؤشرات على إمكانية استخدام المفاعل مستقبلًا في أغراض عسكرية.
وتكشف الوثائق أن الولايات المتحدة كانت تخشى منذ البداية أن يؤدي المشروع إلى تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط وفتح الباب أمام انتشار الأسلحة النووية.
اختفاء اليورانيوم يثير الشكوك
وفي تطور آخر عام 1965، اختفت كميات تقدر بنحو 206 أرطال من اليورانيوم-235 من منشأة نووية أمريكية في ولاية بنسلفانيا، ما أثار تساؤلات بشأن احتمال وصول هذه المواد إلى إسرائيل واستخدامها في برنامجها النووي.
وأظهرت مراجعة مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي أن الواقعة ظلت محل تحقيقات واتهامات متضاربة، وأن بعض المسؤولين السابقين في الاستخبارات الأمريكية تحدثوا عن روابط محتملة بين المواد المفقودة والبرنامج الإسرائيلي.
لكن التحقيق الحكومي لم يتوصل إلى دليل قاطع يثبت تحويل اليورانيوم إلى إسرائيل، كما لم يتمكن من تحديد مصير الكمية المفقودة.
وبذلك بقيت الواقعة واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ الرقابة على المواد النووية الأمريكية.
تفاهمات سياسية تحمي السرية
ومع مرور الوقت، تحولت السرية الإسرائيلية إلى سياسة سياسية واستراتيجية تحظى بتفهم أمريكي، خصوصًا خلال سنوات الحرب الباردة.
وتشير الوثائق الأمريكية إلى أن هنري كيسنجر كان مدركًا أن إسرائيل تتجه نحو امتلاك أسلحة نووية، وأن المسؤولين الإسرائيليين لم يرغبوا في الإعلان عنها أو الظهور بمظهر الدولة التي أدخلت السلاح النووي إلى المنطقة.
وفي عام 1969، ناقش الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير مستقبل البرنامج النووي، خلال اجتماع مغلق بالبيت الأبيض.
ويرجح المؤرخ أفنير كوهين أن الاجتماع أسهم في وضع قواعد التفاهم الأمريكي الإسرائيلي بشأن استمرار الغموض النووي، وإن لم يظهر سجل مكتوب يثبت تفاصيل اتفاق رسمي بين الجانبين.
وساعد هذا الترتيب إسرائيل على تفادي الاعتراف الرسمي بترسانتها، بينما حافظت الولايات المتحدة على موقف معلن يعارض انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.
اعترافات غير مباشرة وتفاصيل من داخل ديمونا
ورغم استمرار سياسة الإنكار الرسمي، تزايدت المعلومات المتعلقة بالبرنامج النووي الإسرائيلي على مدار العقود التالية.
وفي عام 1986، كشف الفني السابق في منشأة ديمونا مردخاي فعنونو معلومات وصورًا عن الأنشطة النووية الإسرائيلية لصحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، وهو ما عزز الاعتقاد الدولي بامتلاك إسرائيل قدرات تسليحية نووية.
كما أشار فيلم وثائقي إسرائيلي عُرض عام 2024 إلى وجود منشأة سرية تحت الأرض لإنتاج البلوتونيوم، وإلى إجراءات اتخذها مسؤولون إسرائيليون لمنع المفتشين الأمريكيين من الوصول إليها.
ورغم هذه المعلومات، لا تزال إسرائيل تتجنب الاعتراف رسميًا بامتلاك أسلحة نووية، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن ترسانتها تضم نحو 90 رأسًا نوويًا، وفق تقدير مبادرة التهديد النووي، وليس وفق إعلان إسرائيلي رسمي.
ازدواجية المعايير تضع واشنطن أمام اختبار
وأعاد التصعيد العسكري مع إيران قضية الترسانة النووية الإسرائيلية إلى واجهة النقاش السياسي الأمريكي، خصوصًا مع مشاركة واشنطن في الحرب الهادفة إلى منع طهران من امتلاك سلاح نووي.
وقال النائب الديمقراطي خواكين كاسترو إن استمرار سياسة الغموض تجاه الترسانة الإسرائيلية أصبح أمرًا خطيرًا، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تخوض حربًا إلى جانب إسرائيل دون وضوح كافٍ بشأن الشروط التي قد تدفعها إلى استخدام أسلحتها النووية، أو الخطط الأمريكية للتعامل مع مثل هذا الاحتمال.
كما أثار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اهتمامًا واسعًا عندما أقر، خلال جلسة استماع بالكونغرس، بأن معظم دول العالم تعتقد أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، رغم عدم إعلانها ذلك رسميًا.
وتتزايد المخاوف من أن استمرار التفاوت في التعامل مع البرامج النووية بالمنطقة قد يضعف مصداقية واشنطن في جهود منع الانتشار، خصوصًا مع وجود تحركات للتعاون النووي الأمريكي السعودي، وتصاعد القلق بشأن طموحات إيران النووية.
وحذر خبراء من أن التخلي المفاجئ عن سياسة الغموض الإسرائيلية قد يدفع دولًا أخرى إلى السعي للحصول على أسلحة نووية، بما يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي يصعب احتواء تداعياته.
وبين الحسابات الاستراتيجية القديمة والتغيرات الأمنية الراهنة، تواجه الولايات المتحدة اختبارًا حقيقيًا بشأن مستقبل سياستها النووية في الشرق الأوسط، ومدى استمرار قدرتها على التعامل مع الملف الإيراني دون فتح ملف الترسانة الإسرائيلية بصورة علنية.