مسلمو الفلبين في أول انتخابات برلمانية

تاريخ جديد يُكتب في انتخابات "بانغسامورو" البرلمانية

الرائد// تتجه منطقة بانغسامورو ذات الأغلبية المسلمة في جنوب الفلبين اليوم 14 سبتمبر إلى أول انتخابات برلمانية منتظمة في تاريخها، في محطة تعد الأهم منذ اتفاق السلام الموقع عام 2014 بين الحكومة الفلبينية وجبهة مورو الإسلامية للتحرير. ويصوت نحو 2.4 مليون ناخب لاختيار برلمان من 80 عضواً، على أن ينتخب البرلمان لاحقاً رئيس الحكومة الإقليمية، في انتقال يفترض أن ينقل الحكم من المرحلة الانتقالية التي قادها مقاتلون سابقون إلى مؤسسات منتخبة.

ولا تكمن أهمية الانتخابات في تشكيل حكومة محلية فحسب، بل في اختبار ما إذا كان اتفاق السلام الذي أنهى عقوداً من التمرد المسلح يستطيع التحول إلى نظام سياسي مستقر. فقد وافقت جبهة مورو الإسلامية للتحرير على التخلي عن هدف الانفصال مقابل الحكم الذاتي ونزع سلاح مقاتليها، لكن عملية نزع السلاح لم تكتمل بعد، فيما لا تزال المنطقة تعاني من نفوذ العائلات السياسية والسلاح والنزاعات القبلية.

ويحذر توماس بوينافينتورا، محلل منطقة آسيا والمحيط الهادئ في منظمة «بيانات وأحداث النزاعات المسلحة» ACLED، من أن مستوى العنف المرتبط بالنزاعات العشائرية في بانغسامورو خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 يضع العام الحالي على مسار يتجاوز مستويات السنوات السابقة، مشيراً إلى تورط عناصر مرتبطة بجبهة مورو في بعض هذه الأحداث، بما في ذلك وقائع ذات صلة مباشرة بالانتخابات.

وهذا يضع الانتخابات أمام مفارقة واضحة: الجبهة التي كانت طرفاً رئيسياً في صنع السلام أصبحت اليوم أكبر قوة مؤسسية داخل العملية السياسية، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بإثبات قدرتها على الانتقال الكامل من منطق الحركة المسلحة إلى منطق الحزب السياسي. ويعتبر بوينافينتورا أن أداء الجبهة والأطراف السياسية الأخرى بعد الانتخابات سيكون حاسماً في تحديد ما إذا كان النظام الجديد سيعمق السلام أم يعيد إنتاج التنافس المسلح بوسائل سياسية.

ولا تقتصر المخاطر على العنف. فقد حذرت بعثة التقييم الفني المشتركة للمعهد الديمقراطي الوطني والشبكة الآسيوية للانتخابات الحرة من قضايا تتعلق بالمشاركة السياسية والأمن، بينما أشارت تقارير المراقبة إلى مخاوف من ترهيب الناخبين، والتصويت بأسماء ناخبين آخرين، وشراء الأصوات، خصوصاً في المناطق النائية.

وفي المقابل، تؤكد السلطات الانتخابية أنها اتخذت إجراءات أمنية واسعة. وجرى نشر أكثر من 20 ألف عنصر أمني، فيما أعلنت حكومة بانغسامورو والشرطة والجيش واللجنة الانتخابية تكثيف التنسيق لحماية الناخبين ومراكز الاقتراع. وقال رئيس اللجنة الانتخابية جورج إروين غارسيا إن الأمن والسلام يجب أن يكونا أولوية في الانتخابات.

ويقدم الدكتور أكرام عاطف لطيف، المدير التنفيذي لمعهد السلام والتنمية في مينداناو بجامعة ولاية مينداناو، قراءة أكثر تفاؤلاً؛ إذ اعتبر الانتخابات خطوة يمكن أن تقرب المنطقة من السلام الدائم والحكم الذاتي والتنمية، ووضعها في سياق تاريخي يمتد إلى اتفاق طرابلس عام 1976، بما يجعل التصويت الحالي ثمرة عقود من المفاوضات والتجارب السياسية.

لكن التحدي الحقيقي سيبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع. فالمشكلة ليست فقط في إنتاج برلمان منتخب، وإنما في قدرة هذا البرلمان على بناء مؤسسات تتجاوز نفوذ العائلات المحلية والولاءات الشخصية. وتحذر تحليلات ما قبل الانتخابات من أن التنافس السياسي قد يتحول إلى امتداد للنزاعات القديمة إذا لم تترافق الديمقراطية الانتخابية مع إصلاح أمني ومؤسسي حقيقي.

وتزداد حساسية المرحلة بسبب تأخر الانتخابات نفسها سنوات عدة. فقد كان مقرراً أن تجري في 2022، ثم أُجلت مرات متتالية بسبب تمديد المرحلة الانتقالية وتغييرات قانونية وقضائية مرتبطة بتقسيم الدوائر، قبل تثبيت موعد 14 سبتمبر 2026. وهذا التأخير الطويل جعل المنطقة تعيش سنوات تحت إدارة انتقالية بدلاً من حكومة منتخبة، ما يرفع أهمية الاختبار الديمقراطي الحالي.

والسيناريو الأفضل هو أن تنتج الانتخابات برلماناً قادراً على إدارة المنافسة السياسية سلمياً، وأن يتحول نفوذ جبهة مورو من قوة مسلحة سابقة إلى مؤسسة سياسية مسؤولة، بالتوازي مع استكمال نزع السلاح وبناء شرطة إقليمية أكثر قدرة. أما السيناريو الأخطر فهو أن تصبح الانتخابات غطاءً لإعادة توزيع النفوذ بين العائلات والفصائل، مع استمرار السلاح والنزاعات المحلية، فتتحول الديمقراطية إلى واجهة جديدة لصراع قديم.

ولهذا فإن نجاح بانغسامورو لن يقاس بنسبة المشاركة أو إعلان الفائز فقط، بل بما سيحدث خلال السنوات التالية: هل تستطيع المنطقة تحويل اتفاق السلام إلى مؤسسات، وتحويل المقاتلين السابقين إلى فاعلين سياسيين، ومنح السكان المسلمين في مينداناو حكماً ذاتياً مستقراً؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت انتخابات اليوم خاتمة لمرحلة الحرب أم بداية لمرحلة سياسية جديدة أكثر تعقيداً.

المصادر:

وكالة أسوشيتد برس، الانتخابات البرلمانية الأولى في بانغسامورو، 14 سبتمبر 2026.

وكالة أسوشيتد برس، خلفية الانتخابات ومسار اتفاق السلام، 13 سبتمبر 2026.

منظمة بيانات وأحداث النزاعات المسلحة ACLED، تحليل توماس بوينافينتورا، محلل آسيا والمحيط الهادئ، حول مخاطر العنف ومسار السلام، سبتمبر 2026.

المعهد الديمقراطي الوطني والشبكة الآسيوية للانتخابات الحرة، بعثة التقييم الفني للانتخابات، يوليو 2026.

مكتب الاتصالات الرئاسية الفلبيني، تصريحات الدكتور أكرام عاطف لطيف، 8 سبتمبر 2026.

الموقع الرسمي لحكومة بانغسامورو، الاستعدادات الأمنية للانتخابات، سبتمبر 2026.

اترك تعليقا