مسارات لمكافحة الفساد في نيجيريا

محاولة لإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة واحترام سيادة القانون واستقلال القضاء

الرائد- عاد ملف مكافحة الفساد إلى واجهة النقاش العام في نيجيريا خلال يوليو 2026 بعد سلسلة من الإجراءات الحكومية والقضائية، كان أبرزها توجيه الرئيس بولا أحمد تينوبو إلى لجنة الممارسات الفاسدة المستقلة (ICPC) بفتح تحقيق في كيان تبين أنه انتحل صفة جهة حكومية اتحادية، واستخدم وثائق وتعيينات مزورة، مع تكليف اللجنة برفع تقريرها خلال ثلاثين يومًا.

كما تزامن ذلك مع إقرار مجلس الشيوخ تعديلات قانونية تستهدف تحديث الإطار التشريعي للمهنة القانونية وتعزيز إدارة واسترداد عائدات الجرائم.

ولا ينظر كثير من المراقبين إلى هذه الإجراءات باعتبارها قضايا منفصلة، بل كجزء من محاولة لإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، في بلد ظل الفساد فيه أحد أكثر الملفات تأثيرًا في التنمية والاستثمار والخدمات العامة منذ عقود.

وتحتل نيجيريا، بصفتها أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، موقعًا اقتصاديًا وسياسيًا بالغ الأهمية في القارة، إلا أن الحكومات المتعاقبة واجهت تحديات مستمرة في مكافحة الفساد الإداري والمالي، وهو ما دفع إلى إنشاء مؤسسات متخصصة مثل لجنة الجرائم الاقتصادية والمالية (EFCC) ولجنة الممارسات الفاسدة المستقلة (ICPC)، إلى جانب إصلاحات تشريعية متلاحقة.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس لجنة الجرائم الاقتصادية والمالية أولا أولكوييدي خلال اجتماع ضم عدداً من أجهزة الرقابة أن أكبر التحديات الحالية تتمثل في فساد المشتريات والعقود الحكومية، داعيًا إلى تنسيق أكبر بين مؤسسات مكافحة الفساد لتبادل المعلومات وتسريع التحقيقات.

كما أكدت لجنة الممارسات الفاسدة المستقلة في تقرير أدائها للنصف الأول من عام 2026 أنها استعادت ما يقارب 5.8 مليارات نايرا من الأموال العامة، معتبرة أن حماية المال العام تمثل جزءًا من تعزيز الأمن الوطني والاستقرار المؤسسي.

ومن جهة أخرى، شدد وزير العدل النيجيري لطيف فاغبِمي، خلال إحياء اليوم الإفريقي لمكافحة الفساد، على أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد يرتبط باحترام سيادة القانون واستقلال القضاء،

محذرًا من تسييس هذا الملف أو توظيفه في الصراعات الحزبية، ومؤكدًا أن بناء مؤسسات قوية أكثر فاعلية من الاقتصار على ملاحقة الأفراد.

ويرى متخصصون في الحوكمة أن نيجيريا تواجه معادلة معقدة؛ فمن ناحية تحتاج إلى إظهار حزم أكبر في ملاحقة جرائم الفساد للحفاظ على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية،
ومن ناحية أخرى فإن نجاح هذه الجهود سيظل مرتبطًا بسرعة الفصل في القضايا، واستقلال القضاء، وشفافية إجراءات التحقيق.

وتشير خبرات عدد من الدول الإفريقية والآسيوية إلى أن مكافحة الفساد تحقق نتائج أكثر استدامة عندما تقترن بإصلاحات إدارية، وتبسيط الإجراءات الحكومية، والرقمنة، وتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، وهي أدوات أثبتت فعاليتها في الحد من فرص الرشوة وسوء استخدام السلطة.

كما يلفت خبراء القانون إلى أن تعديل التشريعات وحده لا يكفي، إذ يحتاج الأمر إلى تدريب مستمر لأجهزة إنفاذ القانون، وتحسين التعاون بين أجهزة الرقابة والنيابة والقضاء، وتعزيز حماية المبلغين عن الفساد.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن الحكومة النيجيرية تسعى إلى إظهار قدر أكبر من الحزم في هذا الملف، لكن نجاح هذه السياسة سيقاس في النهاية بمدى تحولها إلى نتائج ملموسة، مثل زيادة معدلات استرداد الأموال العامة، وتسريع الفصل في القضايا، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وهي مؤشرات ستكون موضع متابعة داخل نيجيريا وخارجها خلال الأعوام المقبلة.

*المصادر:
-الرئاسة النيجيرية،
-لجنة الممارسات الفاسدة المستقلة (ICPC)،
-لجنة الجرائم الاقتصادية والمالية (EFCC)
-مجلس الشيوخ النيجيري،
-تصريحات وزير العدل النيجيري،
-ووسائل إعلام نيجيرية متخصصة.

اترك تعليقا