لماذا تستهلك مراكز البيانات كميات هائلة من المياه العذبة؟

تقرير في بلومبرغ

أدت طفرة الذكاء الاصطناعي إلى إطلاق واحدة من أكبر عمليات تطوير البنية التحتية في العالم منذ عقود، إذ تستثمر شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات في إنشاء مراكز البيانات التي تشغّل تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتسببت هذه الطفرة في زيادة هائلة في الطلب على المياه التي تحتاجها مراكز البيانات لتبريد خوادمها الساخنة، كما تستهلكها بصورة غير مباشرة من خلال المياه اللازمة لتوليد الكهرباء التي تستخدمها.

وعادةً ما تكون البصمة المائية غير المباشرة أكبر بكثير،تقول شركات التكنولوجيا العملاقة: إنها تتخذ خطوات لخفض استهلاكها من المياه، فيما أشار بعض قادة القطاع إلى أن مشكلة المياه يجري تضخيمها، لكن مع تفاقم ضغوط الجفاف في عدة مناطق بسبب تغير المناخ، لا سيما في غرب الولايات المتحدة، تثير احتياجات مراكز البيانات للمياه تساؤلات لدى الرأي العام.

وكشف تحقيق أجرته “بلومبرغ” العام الماضي أن مراكز البيانات تُبنى بصورة متزايدة في مناطق تشهد بالفعل منافسة شديدة على موارد مائية شحيحة، ويتوقع أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للمياه بصورة حادة مع استمرار التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وقد بدأ المشرعون النظر في التداعيات المحتملة لذلك على المجتمعات المحلية.

ما كمية المياه التي تستهلكها مراكز البيانات؟

يمكن قياس استخدام مراكز البيانات للمياه من خلال مؤشرين رئيسيين: الاستهلاك والسحب، يقيس الاستهلاك كمية المياه المفقودة فعلياً، غالباً بسبب التبخر، أما السحب، فيقيس كمية المياه التي تسحبها مراكز البيانات من مصادرها، وعادةً ما تُعاد المياه المسحوبة التي لا تتبخر إلى المياه السطحية أو الجوفية، لتصبح قابلة لإعادة الاستخدام بعد معالجتها، إلا أنها قد تُصرّف بدرجات حرارة أعلى أو بتركيبة كيميائية مختلفة، ما قد يشكل مخاطر بيئية.

في “الولايات المتحدة”، استهلكت مراكز البيانات نحو 17.4 مليار غالون من المياه خلال عام 2023، وهو ما يعادل استهلاك نحو 160 ألف أسرة أميركية، بحسب تقديرات مختبر “لورنس بيركلي” الوطني، وتشير التقديرات إلى أن هذا الرقم قد يقفز إلى 74 مليار غالون سنوياً بحلول عام 2028، مع توجيه معظم المياه إلى عمليات التبريد.

ولا تتوفر حتى الآن بيانات وطنية لعامي 2024 و2025.وفي تقدير منفصل، توقّع أستاذ الهندسة في جامعة “كاليفورنيا ريفرسايد”، “شاولي رين” وزملاؤه، أن يبلغ استهلاك مراكز البيانات في الولايات المتحدة نحو 110 مليارات غالون سنوياً بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 7% من إجمالي الاستهلاك السنوي للمياه في أنظمة المياه العامة.

استهلك توليد الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات نحو 211 مليار غالون من المياه خلال عام 2023، أي ما يقارب 12 ضعف كمية المياه التي استهلكتها هذه المراكز بشكل مباشر، ويعود ذلك إلى أن محطات توليد الكهرباء العاملة بالوقود الأحفوري تحتاج، مثل مراكز البيانات، إلى المياه لأغراض التبريد، كما تستهلك مصادر توليد الكهرباء من الطاقة النووية والحرارية الأرضية والكهرومائية كميات متفاوتة من المياه، بينما استهلاك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح للمياه محدود للغاية أو معدوم.

وفي دراسة منفصلة، قدّر “شاولي رين” وزملاؤه، أن مراكز البيانات في “الولايات المتحدة” سحبت بشكل مباشر نحو 21.5 مليار غالون من المياه خلال عام 2024، فيما قد يصل السحب غير المباشر، المرتبط بإنتاج الكهرباء اللازمة لتشغيلها، إلى نحو 30 ضعف هذا الحجم، لا يُعرف الكثير عن حجم استهلاك كلّ مركز بيانات بحد ذاته للمياه، إذ لا تزال الشفافية محدودة ومتطلبات الإفصاح نادرة، بل إن بعض مشغلي مراكز البيانات مارسوا ضغوطاً على البلديات لتوقيع اتفاقيات عدم إفصاح تمنعها من الكشف عن حجم استهلاك هذه المراكز للمياه.

ومن بين شركات الحوسبة السحابية الكبرى، تُعد “مايكروسوفت” و”جوجل” التابعة لشركة “ألفابت”، و”ميتا بلاتفورمز”، من أكثر الشركات إفصاحاً عن بيانات استهلاك المياه على مستوى المواقع، ومع ذلك، تظل هذه الإفصاحات محدودة، إذ تقتصر عادةً على بيانات سنوية، من دون تقديم أرقام شهرية أو موسمية، وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة، لأن مراكز البيانات قد تستهلك كميات أكبر بكثير من المياه خلال الأشهر الحارة، مع ارتفاع الطلب على التبريد، في وقت تكون فيه شبكات المياه المحلية تحت ضغط بالفعل.

لماذا تستهلك مراكز البيانات كميات كبيرة من المياه؟

تنبعث من خوادم مراكز البيانات كميات كبيرة من الحرارة، ما يستلزم الحفاظ على المعدات داخلها ضمن نطاق حراري آمن لضمان استمرار عملها بكفاءة، وتتم عملية التبريد عادةً على مرحلتين: تبدأ بنقل الحرارة بعيداً عن الخوادم، ثم إطلاقها إلى خارج مركز البيانات، وللتخلص من الحرارة، تعتمد العديد من مراكز البيانات في “الولايات المتحدة” على أبراج التبريد أو أنظمة التبريد بالتبخر، سواء بشكل مستمر أو في بعض الأوقات، خاصة خلال فترات الطقس الحار، وتعمل هذه الأنظمة على امتصاص الحرارة من المنشأة باستخدام المياه، قبل إطلاقها إلى الهواء مع تبخرها.

هناك أيضأً أنظمة تبريد جافة، تستخدم المراوح والهواء الخارجي لتبديد الحرارة، بطريقة مشابهة لعمل مبرد السيارة، ورغم أنها لا تستهلك سوى كميات ضئيلة جداً من المياه، أو لا تستهلكها إطلاقاً، فإنها تحتاج عادةً إلى طاقة أكبر من أنظمة التبريد بالتبخر، بينما يتطلب إنتاج هذه الكهرباء بدوره استهلاك المياه، كما تنخفض كفاءة هذه الأنظمة كلما ارتفعت درجات الحرارة الخارجية، تعتمد بعض مراكز البيانات على أنظمة التبريد الجافة في معظم الأوقات، لكنها تلجأ إلى استخدام المياه لتبريد الهواء الداخل مسبقاً عند ارتفاع درجات الحرارة.

ويحدد المشغلون تقنية التبريد الأنسب لكل موقع بناءً على ظروفه، مثل المناخ المحلي، وتوافر المياه، وتكلفة الكهرباء، والقيود البيئية، كما يختلف استهلاك كل مركز بيانات للمياه تبعاً لعوامل مثل مزيج تقنيات التبريد المستخدمة، ودرجة حرارة الهواء المحيط، وكفاءة الخوادم، ووفق دراسة أجراها مختبر “لورنس بيركلي” الوطني، قد يتفاوت استهلاك المياه لكل وحدة من القدرة الحاسوبية بأكثر من 10 آلاف ضعف، نتيجة اختلاف هذه العوامل وغيرها.

هل يمكن لمراكز البيانات استخدام المياه المعاد تدويرها؟

يمكن لمراكز البيانات استخدام المياه المعاد تدويرها في عمليات التبريد، لكن تطبيق ذلك يواجه تحديات عدة، ففي كثير من المناطق، لا تزال البنية التحتية اللازمة غير مناسبة لذلك، كما أن إمدادات مياه الصرف المعالجة غالباً ما تكون محدودة ولا تلبي الاحتياجات المطلوبة، زد على ذلك أن تكلفة استخدام المياه المعاد تدويرها قد تفوق الاعتماد على المياه التي توفرها شبكات المياه البلدية مباشرةً.

كما قد تحتوي المياه المعاد تدويرها على نسب أعلى من الأملاح والمعادن أو الشوائب مقارنةً بمياه الشرب، ما يعني أن إمكانية استخدامها تقتصر على بعض أنظمة التبريد، ولا سيما تلك المصممة لتحمل هذه العناصر المسببة للتآكل، ولا يمكن لبعض الأنظمة استخدام هذا النوع من المياه، لأن المياه المتدفقة تلامس مكونات الخوادم مباشرةً.

كيف يؤثر استهلاك مراكز البيانات للمياه في المجتمعات المحلية؟

تعتمد معظم مراكز البيانات في الولايات المتحدة على شبكات المياه العامة، وغالباً ما تستخدم المياه الصالحة للشرب، فيما يعتمد عدد محدود منها على المياه الجوفية الخاصة، بحسب رين، ويتفاوت تأثير هذه المراكز على المجتمعات المحلية والموارد المائية من مشروع لآخر، ففي المناطق الغنية بالمياه، قد يكون تأثيرها محدوداً ويمكن استيعابه، أما في المجتمعات التي تعاني أصلاً من الجفاف أو شح الموارد المائية، فقد تؤدي إلى “تفاقم الأزمة في أسوأ وقت ممكن”، وفق أليكس دي فريس-غاو، الباحث في جامعة “في يو أمستردام”.

وأظهر تحقيق أجرته “بلومبرغ نيوز” أن نحو ثلثي مراكز البيانات الجديدة التي أُنشئت أو لا تزال قيد التطوير منذ عام 2022 تقع في مناطق تعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من الإجهاد المائي، ويرى “دي فريس-غاو” أن المنافسة بين مراكز البيانات والقطاع الزراعي والبلديات على الموارد المائية قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار المياه وقلة توافرها، ما يزيد الضغوط على موثوقية إمدادات المياه المحلية.

ويشير “دي فريس-غاو” إلى أنه رغم أن مراكز البيانات لا تحظى بأولوية في الحصول على الموارد المائية المحدودة، فإن محطات توليد الكهرباء غالباً ما تحصل على هذه الأولوية لضمان استقرار الشبكة الكهربائية، بينما تستهلك مراكز البيانات حصة متزايدة من الكهرباء التي تنتجها، وبحسب “بلومبرغ إن إي إف”، من المتوقع أن ترتفع حصة مراكز البيانات من إجمالي استهلاك الكهرباء في “الولايات المتحدة” من 5.9% حالياً إلى نحو 20% بحلول عام 2035.

ومع تفاقم أزمة شح المياه بفعل تغير المناخ، يتزايد عدد المناطق التي تواجه مستويات مرتفعة من الإجهاد المائي حول العالم، على سبيل المثال، انخفضت مناسيب الخزانات على نهر “كولورادو” الذي يزوّد نحو 40 مليون شخص بالمياه في “سبع ولايات أميركية والمكسيك”، إلى مستويات خطيرة، ما يهدد أمن إمدادات المياه في المنطقة.

قالت “إيريس ستيوارت-فري” أستاذة علوم البيئة والهيدرولوجيا في جامعة “سانتا كلارا”: إن التأثيرات المحتملة لمراكز البيانات على الموارد المائية مرشحة للتفاقم مع ازدياد أحجام هذه المنشآت وانتشارها، وتوصّل فريقها البحثي إلى أن مراكز البيانات تُشيَّد بشكل متزايد في مناطق ريفية تخضع لرقابة تنظيمية أقل، حيث يكون المسؤولون المحليون أكثر استعداداً للموافقة على هذه المشاريع.

وأوضحت أن هذه المناطق غالباً ما تكون جافة، مشيرةً إلى مقاطعة إمبريال في ولاية “كاليفورنيا” كمثال على ذلك، حيث يُخطط لإنشاء أحد أكبر مراكز البيانات في “الولايات المتحدة”، في واحدة من أكثر مناطق البلاد جفافاً، والتي تعتمد بالكامل على مياه نهر “كولورادو”، ما يزيد من خطورة الوضع المائي المتدهور أساساً.

كيف تستجيب المجتمعات المحلية؟

بدأت المجتمعات المحلية في الولايات المتحدة ترفع الصوت، وفقاً لتحليل أجرته شركة “كاربون دايركت” (Carbon Direct) المتخصصة في تقنيات المناخ والاستشارات، تأخر تنفيذ أو أُلغي ما لا يقل عن 46 مشروعاً بين يناير 2024 ومايو 2026 نتيجة اعتراضات مجتمعية، وتبلغ القيمة الإجمالية لهذه المشاريع نحو 170 مليار دولار، وكانت موزعة على 20 ولاية.

وفي عدد من الحالات، لجأ السكان المحليون والمنظمات البيئية إلى القضاء للمطالبة بالكشف عن بيانات استهلاك المياه الخاصة بمشاريع مراكز البيانات المقترحة، ونجحوا في الحصول عليها في بعض القضايا، كما أقرت بعض الولايات تشريعات تهدف إلى تعزيز الشفافية وزيادة مساءلة مطوري مراكز البيانات، ففي ولاية “يوتا”، بات المطورون ملزمين بالإفصاح عن الكميات المتوقعة لاستهلاك المياه في مراكز البيانات الجديدة.

وفي منتصف يوليو، أعلنت حاكمة ولاية “نيويورك” “كاثي هوكول”، فرض حظر مؤقت على إنشاء مراكز بيانات جديدة، إلى حين وضع إطار تنظيمي يحد من تأثيرها في فواتير خدمات المرافق وإمدادات المياه، امتدت هذه الإجراءات إلى المستوى المحلي أيضاً، ففي جنوب ولاية “نيفادا”، حُظر استخدام أنظمة التبريد بالتبخر في المباني التجارية والصناعية الجديدة، بسبب استهلاكها الكبير للمياه.

وفي “الاتحاد الأوروبي”، بدأ تطبيق قواعد للإفصاح عن كفاءة الطاقة في مراكز البيانات، تُلزم المشغلين بالإبلاغ عن مؤشرات عدة، من بينها استهلاك المياه، لكن بيانات كل منشأة تظل سرية، فيما يقتصر نشر المعلومات على البيانات المجمعة على مستوى الدول والاتحاد الأوروبي، وبحسب صحيفة “ذا غارديان”، نجحت “مايكروسوفت” وعدد من جماعات الضغط الممثلة للقطاع في إقناع الجهات التنظيمية بعدم إتاحة هذه البيانات للجمهور.

هل تعمل شركات مراكز البيانات على تقليل استهلاك المياه؟

أعلنت شركات تشغيل مراكز البيانات وكبرى شركات الحوسبة السحابية عن سلسلة مبادرات للحد من بصمتها المائية، من بينها التوسع في استخدام المياه المعاد تدويرها، وتطوير رقائق وخوادم أكثر كفاءة، وتحديث البنية التحتية المحلية، واعتماد أنظمة التبريد الجافة التي يمكن أن تقلل استهلاك المياه أو تستغني عنه بالكامل.فعلى سبيل المثال.

تعهدت “أمازون” التي تعتمد على مراكز البيانات لتشغيل خدماتها السحابية ودعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بأن تعيد إلى البيئة والمجتمعات المحلية كميات من المياه تفوق ما تسحبه بحلول عام 2030، وتسعى إلى تحقيق ذلك عبر تمويل مشاريع، تشمل استعادة أحواض المياه، وتأهيل الآبار، وتطوير شبكات المياه.

وفي يونيو، كشفت “إنفيديا” عن خادم جديد للذكاء الاصطناعي يستخدم سائلاً للتبريد يمكن تشغيله عند درجات حرارة أعلى، ما يقلل الحاجة إلى التبريد، لكن هذه الجهود لا تعالج سوى جزء من المشكلة، إذ إن استهلاك المياه المباشر ليس سوى نصف الصورة، فمع استمرار التوسع السريع في قطاع مراكز البيانات، سيرتفع الطلب على الكهرباء، ما يعني زيادة استهلاك المياه اللازمة لإنتاجها.

ويرى “شاولي رين” الباحث في جامعة “كاليفورنيا ريفرسايد”، أن الحل ليس بالضرورة في خفض استهلاك المياه المباشر المخصص للتبريد، بل في اعتماد نهج يوازن بين مجموعة من العوامل عند اختيار موقع مركز البيانات ونظام التبريد المناسب له، بما في ذلك المخاطر البيئية المحلية، والضغوط على الموارد المائية، وقدرة شبكة الكهرباء على تلبية الطلب.

في المقابل، تسجل الشفافية تحسناً، فقد انضمت “مايكروسوفت” هذا العام إلى “جوجل” و”ميتا” في نشر بيانات أكثر تفصيلاً عن استهلاك المياه على مستوى منشآتها، ومع ذلك، يرى باحثون في مجال الموارد المائية أن مطوري مراكز البيانات مطالبون بمزيد من الإفصاح، داعين إلى اعتماد نظام موحد ومُلزم للإبلاغ عن استهلاك المياه والكهرباء في كل منشأة، على أن يكون الإفصاح مستمراً على مدار العام، وليس مقتصراً على تقارير دورية محدودة.

ففي “الولايات المتحدة”، تركز القوانين الفيدرالية على تنظيم تلوث المياه وتصريفها، لكنها لا تنظم كميات المياه المستهلكة، وقال “أليكس دي فريس-غاو” الباحث في جامعة “في يو أمستردام”: “لا يمكن الحكم على ما إذا كانت الأوضاع تتحسن أم تتدهور من دون رؤية الصورة كاملة، فما يُكشف عنه اليوم لا يمثل سوى جزء ضئيل منها”، مضيفاً: “إنه أشبه بالنظر إلى قمة جبل الجليد من دون معرفة حجمه الحقيقي”.

 

المصدر: بلومبرغ

اترك تعليقا